مناجاة الله عزوجل لموسى بن عمران عليه السلام (١)
يا موسى لا تطل في الدنيا أملك فيقسو قلبك (٢) وقاسى القلب مني بعيد (٣). أمت قلبك بالخشية. وكن خلق الثياب، جديد القلب، تخفى على أهل الارض وتعرف بين أهل السماء. وصح إلي من كثرة الذنوب صياح الهارب من عدوه. واستعن بي على ذلك، فإني نعم المستعان (٤).
يا موسى إني أنا فوق العباد والعباد دوني وكل لي داخرون، فاتهم نفسك على نفسك ولا تأتمن ولدك على دينك إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين.
يا موسى اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين.
يا موسى كن إمامهم في صلاتهم وفيما يتشاجرون واحكم بينهم بالحق بما أنزلت عليك، فقد أنزلته حكما بينا وبرهانا نيرا ونورا ينطق بما في الاولين وبما هو كائن في الآخرين.
يا موسى اوصيك وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى ابن مريم صاحب الاتان (٥) والبرنس والزيت والزيتون والمحراب. ومن بعده بصاحب الجمل الاحمر
__________
(١) رواها الكلينى - رحمه الله - في روضة الكافي مع اختلاف وزيادات أشرنا إليها - ورواها الصدوق في المجالس أيضا مع اختلاف.
(٢) في الروضة [ يا موسى لا تطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك ].
(٣) زاد في الروضة [ كن كمسرتى فيك فان مسرتى أن اطاع فلا اعصى ].
(٤) في الروضة [ فانى نعم العون والمستعان يا موسى انى أنا الله فوق العباد ].
(٥) الاتان - بفتح الهمزة -: الحمار.
والبرنس: قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الاسلام والمراد بالزيتون والزيت: الثمرة المعروفة لانه كان يأكلها أو نزلتا له في المائدة أو المراد بالزيتون مسجد دمشق او جبال الشام - قاله صاحب القاموس - يعنى اعطاه الله بلاد الشام والمراد بالزيت: الدهن الذى كان في بنى اسرائيل وكان غليانها من علامات النبوة. قاله المجلسى (ره).
[٤٩١]
الطيب الطاهر المطهر فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن على الكتب (١)، وأنه راكع ساجد راغب راهب، إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون وسيكون في زمانه أزل وزلازل وقتل (٢)، اسمه أحمد ومحمد الامين من الباقين الاولين (٣)، يؤمن بالكتب كلها ويصدق جميع المرسلين، امته مرحومة مباركة، لهم ساعات موقتات يؤذنون فيها بالصلوات، فبه صدق، فإنه أخوك (٤).
يا موسى إنه أميني وهو عبد صدق مبارك له فيما وضع يده، نبارك عليه (٥)، كذلك كان في علمي وكذلك خلقته، به أفتح الساعة وبأمته أختم مفاتيح الدنيا، فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه ولا يخذلوه وإنهم لفاعلون.
وحبه لي حسنة وأنا معه وأنا من حزبه وهو من حزبي، وحزبي هم الغالبون (٦).
يا موسى أنت عبدي وأنا الهك، لا تستذل الحقير الفقير، ولا تغبط الغني، وكن عند ذكري خاشعا، وعند تلاوته برحمتي طامعا، فأسمعني لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين، اطمئن عند ذكري واعبدني ولا تشرك بي (٧)، إني أنا السيد الكبير، إني خلقتك من نطفة من ماء مهين من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة (٨) فكانت
___________
(١) في الروضة [ على الكتب كلها ].
(٢) الازل - بالفتح -: مصدر ازل يأزل - كضرب يضرب -: وقع في ضيق وشدة و - بالكسر - الداهية. والزلازل: الشدائد والاهوال. وأيضا جمع زلزلة. وفى الروضة [ وقتل وقتال ].
(٣) في الروضة [ اسمه أحمد محمد الامين من الباقين من ثلة الاولين الماضين ].
(٤) في الروضة [ يؤدون فيها الصلوات اداء العبد إلى سيده نافلته فبه فصدق ومنهاجه فاتبع ].
(٥) يقال: " هو رجل صدق " أى صادق في الرجولية والصداقة، لا يخون.
وفى الروضة [ يا موسى انه امى وهو عبد صدق يبارك له فيما وضع يده عليه ويبارك عليه ].
(٦) زاد في الروضة [ فتمت كلماتى لاظهرن دينه على الاديان كلها ولاعبدن بكل مكان و لانزلن عليه قرآنا فرقانا شفاء لما في الصدور من نفث الشيطان فصل عليه يا ابن عمران فانى اصلى عليه وملائكتى ].
(٧) زاد في الروضة [ وذكر بى من يطمئن إلى واعبدنى ولا تشرك بى شيئا وتحر مسرتى ].
(٨) أى مختلطة من عناصر شتى. والامشاج الاخلاط.
[٤٩٢]
بشرا، فأنا صانعها خلقا، فتبارك وجهي وتقدس صنعي، ليس كمثلي شئ وأنا الحي الدائم لا أزول(١).
يا موسى كن إذا دعوتني خائفا، مشفقا، وجلا (٢)، وناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل، وأحي بتوراتي أيام الحياة، وعلم الجاهلين محامدي، وذكرهم آلائي ونعمي، وقل لهم: لا يتمادون في غي ما هم فيه، فإن أخذي لهم شديد.
يا موسى إن انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري، فاعبدني وقم بين يدي مقام العبد الحقير.
ذم نفسك وهي أولى بالذم. ولا تتطاول (٣) على بني إسرائيل بكتابي فكفى بهذا واعظا لقلبك منيرا، وهو كلام رب العالمين جل وتعالى.
يا موسى متى ما دعوتني وجدتني (٤)، فإني سأغفر لك على ما كان منك، السماء تسبح لي وجلا، والملائكة من مخافتي مشفقون، والارض تسبح لي طمعا، وكل الخلق يسبحون لي داخرين.
ثم عليك بالصلاة (٥)، فإنها مني بمكان ولها عندي عهد وثيق والحق بها ما هو منها ذكاة القربان من طيب المال والطعام، فإني لا أقبل إلا الطيب، يراد به وجهي، اقرن مع ذلك صلة الارحام، فإني أنا الرحمن الرحيم والرحم أنا خلقتها فلا من رحمتي ليتعاطف بها العباد، ولها عندي سلطان في معاد الآخرة، وأنا قاطع من قطعها وواصل من وصلها وكذلك أفعل بمن ضيع أمري.
يا موسى أكرم السائل إذا أتاك برد جميل أو إعطاء يسير، فإنه يأتيك من ليس بإنس ولا جان: ملائكة الرحمن يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك وكيف مواساتك فيما خولتك، فاخشع لي بالتضرع واهتف بولولة الكتاب (٦). واعلم أني أدعوك
__________
(١) في الروضة [ وأنا الحى الدائم الذى لا أزول ].
(٢) زاد في الروضة [ عفر وجهك لى في التراب واسجد بى بمكارم بدنك واقنت بين يدى في القيام].
(٣) التطاول: التكبر.
(٤) في الروضة [ متى دعوتنى ورجوتنى ].
(٥) في الروضة [ بالصلاة والصلاة فانها ].
(٦) الولولة: رفع الصوت بالبكاء والصياح.
[٤٩٣]
دعاء السيد مملوكه لتبلغ به شرف المنازل، وذلك من فضلي عليك وعلى آبائك الاولين.
يا موسى لا تنسني على كل حال ولا تفرح بكثرة المال، فإن نسياني يقسي القلوب ومع كثرة المال كثرة الذنوب.
الارض مطيعة [ والسماء مطيعة ] والبحار مطيعة، فمن عصاني شقي، فأنا الرحمن [ الرحيم ] رحمن كل زمان، آتي بالشدة بعد الرخاء، وبالرخاء بعد الشدة، وبالملوك بعد الملوك وملكي دائم، قائم لا يزول ولا يخفى علي شئ في الارض ولا في السماء وكيف يخفى علي ما مني مبتدؤه، وكيف لا يكون همك فيما عندي وإلي ترجع لا محالة.
يا موسى اجعلني حرزك وضع عندي كنزك من الصاحات. وخفني ولا تخف غيري، إلي المصير(١).
يا موسى عجل التوبة وأخر الذنب وتأن في المكث بين يدي في الصلاة، ولا ترج غيري، اتخذني جنة للشدائد وحصنا لملمات الامور (٢).
يا موسى نافس في الخير أهله، فإن الخير كاسمه. ودع الشر لكل مفتون.
يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم، وأكثر ذكري بالليل والنهار تغنم، ولا تتبع الخطايا فتندم، فإن الخطايا موعدها النار.
يا موسى أطب الكلام لاهل الترك للذنوب وكن لهم جليسا واتخذهم لغيبك إخوانا وجد معهم يجدون معك(٣).
يا موسى ما اريد به وجهي فكثير قليله، وما اريد به غيري فقليل كثيره. وإن أصلح أيامك: الذي أمامك فانظر أي يوم هو فأعد له الجواب، فإنك
____________
(١) زاد في الروضة [ يا موسى ارحم من هو اسفل منك في الخلق ولا تحسد من هو فوقك فان الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
يا موسى إن ابنى آدم تواضعا في منزلة لينا لا بها من فضلى ورحمتى فقربا قربانا ولا أقبل إلا من المتقين فكان من شأنهما ما قد علمت فكيف تثق بالصاحب بعد الاخ والوزير.
يا موسى ضع كبرك ودع الفخر واذكر انك ساكن القبر فليمنعك ذلك من الشهوات ].
(٢) زاد في الروضة [ يا موسى كيف تخشع لى خليقة لا تعرف فضلى عليها وكيف تعرف فضلى عليها وهى لا تنظر فيه وكيف تنظر فيه وهى لا تؤمن به وكيف تؤمن به وهى لا ترجو ثوابا وكيف ترجو ثوابا وهى قد قنعت بالدنيا واتخذتها مأوى وركنت إليها ركون الظالمين ].
(٣) زاد في الروضة [ يا موسى الموت يأتيك لا محالة فتزود زاد من هو على ما يتزود ].
[٤٩٤]
موقوف ومسؤول. وخذ موعظتك من الدهر وأهله، فإن الدهر طويله قصير وقصيره طويل وكل شئ فان. فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة، فإن ما بقي من الدنيا كما ولى منها. وكل عامل يعمل على بصيرة ومثال. فكن مرتادا لنفسك (١)، يا ابن عمران لعلك تفوز غدا يوم السؤال وهنالك يخسر المبطلون (٢).
يا موسى طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها، مالك ولدار الظالمين إلا لعامل فيها بالخير، فإنها له نعم الدار (٣).
يا موسى الدنيا وأهلها فتن بعضها لبعض (٤)، فكل مزين له ما هو فيه والمؤمن زينت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفتر (٥) قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش فأدلجته بالاسحار (٦) كفعل الراكب السابق إلى غايته يظل كئيبا ويمسي حزينا فطوبى له، [ أما ] لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور (٧).
_________
(١) إرتاد الشئ: طلبه.
(٢) زاد في الروضة [ يا موسى الق كفيك ذلا بين يدى كفعل العبد المستصرخ إلى سيده فانك إذا فعلت ذلك رحمت وأنا اكرم القادرين.
يا موسى سلنى من فضلى ورحمتى فانهما بيدى لا يملكها أحد غيرى وانظر حين تسألنى كيف رغبتك فيما عندى لكل عامل جزاء وقد يجزى الكفور بما سعى ].
(٣) زاد في الروضة [ يا موسى ما امرك به فاسمع ومهما اراه فاصنع خذ حقائق التوراة إلى صدرك وتيقظ بها في ساعات الليل والنهار ولا تمكن ابناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير ].
(٤) في الروضة [ ابناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم من بعض ].
(٥) أى لا ينقطع ولا يقصر عنه وضمير شهوتها راجع إلى الاخرة.
(٦) الدلجة: سير الليل وأدلج القوم: ساروا الليل في آخره أو كله.
والكئيب: الحزين أشد الحزن.
(٧) وزاد في الروضة [ يا موسى الدنيا نطفة ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر فالويل الدائم الطويل لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق وبلعة لم تدم فكن كما أمرتك وكل امرى رشاد ].
والنطفة ما يبقى في الدلو أو القربة من الماء كنى بها عن قلتها والبلعة بالمهملة ما يبلع كما أن اللعقة ما يلعق. هذا ما ذكره الفيض - رحمه الله - عند بيان الحديث.
[٤٩٥]
يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين. ولا تكن جبارا ظلوما ولا تكن للظالمين قرينا.
يا موسى ما عمر وإن طال يذم آخره، وما ضرك ما زوي عنك إذا حمدت مغبته (١).
يا موسى صرح الكتاب صراحا (٢) بما أنت إليه صائر، فكيف ترقد على هذا العيون، أم كيف يجد قوم لذة العيش لولا التمادي في الغفلة (٣) والتتابع في الشهوات ومن دون هذا جزع الصديقون.
يا موسى مر عبادي يدعوني على ما كانوا بعد أن يقروا بي أني أرحم الراحمين، اجيب المضطرين(٤)، وأكشف السوء، وابدل الزمان، وآتي بالرخاء، وأشكر اليسير، وأثيب بالكثير، وأغني الفقير، وأنا الدائم العزيز القدير، فمن لجأ إليك وانضوى إليك من الخاطئين (٥) فقل: أهلا وسهلا بأرحب الفناء نزلت بفناء رب العالمين واستغفر لهم وكن [ لهم ] كأحدهم ولا تستطل عليهم بما أنا أعطيتك فضله، وقل لهم فيسألوني من فضلي ورحمتي، فإنه لا يملكها أحد غيري وأنا ذو الفضل العظيم، كهف الخاطئين وجليس المضطرين (٦) ومستغفر للمذنبين، إنك مني بالمكان الرضى، فادعني بالقلب النقي واللسان الصادق، وكن كما أمرتك، أطع أمري ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتدؤه. وتقرب إلي، فإني منك قريب، فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولا حمله. إنما سألتك أن تدعوني فاجيبك. وأن تسألني فاعطيك وأن تتقرب بما مني أخذت تأويله وعلى تمام تنزيله.
يا موسى انظر إلى الارض فإنها عن قريب قبرك. وارفع عينيك إلى السماء فإن
____________
(١) زوى: صرف. والمغبة - بالفتح وتشديد الباء -: العاقبة.
(٢) في الروضة [ يا موسى صرح الكتاب اليك صراحا ] وفى بعض نسخها بالخاء المعجمة.
(٣) زاد في الروضة [ والاتباع للشقوة ].
(٤) في الروضة [ يجيب المضطرين ].
(٥) انضوى إليه: انضم.
(٦) في الروضة [ طوبى لك يا موسى كهف الخاطئين وأخ المذنبين وجليس المضطرين ].
[٤٩٦]
فوقك فيها ملكا عظيما وابك على نفسك ما كنت في الدنيا (١)، وتخوف العطب والمهالك، ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها، ولا ترض بالظلم ولا تكن ظالما، فإني للظالم بمرصد حتى اديل منه المظلوم(٢).

يا موسى إن الحسنة عشرة أضعاف ومن السيئة الواحدة الهلاك، ولا تشرك بي، لا يحل لك أن تشرك بي، قارب وسدد، ادع دعاء الراغب فيما عندي، النادم على ما قدمت يداه (٣) فإن سواد الليل يمحوه النهار، كذلك السيئة تمحوها الحسنة وعشوة الليل (٤) تأتي على ضوء النهار فكذلك السيئة تأتي على الحسنة فتسودها.
___________
(١) في الروضة [ ما دمت في الدنيا ].
(٢) أدال الله زيدا من عمرو: نزع الدولة من عمرو وحولها إلى زيد. واديل لنا على أعدائنا أى نصرنا عليهم. والادالة: النصرة والغلبة.
(٣) في الروضة [ وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندى النادم على ما قدمت يداك ].
(٤) عشوة الليل: ظلمتها.
X
X

Compartir
Compartir
X

MobinPlayer