مسألة غريبة
قال المأمون ليحيى بن أكثم (١): اطرح على أبي جعفر محمد بن الرضا عليهما السلام مسألة تقطعه فيها.
فقال: يا أبا جعفر ما تقول في رجل نكح امرأة على زنا أيحل أن يتزوجها؟ فقال عليه السلام: يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره، إذ لا يؤمن منها أن تكون قد أحدثت مع غيره حدثا كما أحدثت معه. ثم يتزوج بها إن أراد، فإنما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراما ثم اشتراها فأكل منها حلالا. فانقطع يحيى.
فقال له أبوجعفر عليه السلام: يا أبا محمد ما تقول في رجل حرمت عليه أمرأة بالغداة وحلت له ارتفاع النهار وحرمت عليه نصف النهار، ثم حلت له الظهر، ثم حرمت عليه العصر، ثم حلت له المغرب، ثم حرمت عليه نصف الليل، ثم حلت له الفجر، ثم حرمت عليه ارتفاع النهار، ثم حلت له نصف النهار؟ فبقي يحيى والفقهاء بلسا خرسا (٢) فقال المأمون: يا أبا جعفر أعزك الله بين لنا هذا؟ قال عليه السلام: هذا رجل نظر إلى مملوكة لا تحل له، اشتراها فحلت له. ثم أعتقها فحرمت عليه، ثم تزوجها فحلت له. فظاهر منها فحرمت عليه. فكفر الظهار فحلت له، ثم طلقها تطليقة فحرمت عليه، ثم راجعها فحلت له، فارتد عن الاسلام فحرمت عليه. فتاب ورجع إلى الاسلام فحلت له بالنكاح الاول، كما أقر رسول الله صلى الله عليه واله نكاح زينب مع أبي العاص بن الربيع حيث أسلم على النكاح الاول (٣).
__________
(١) رواه المفيد - رحمه الله - في الارشاد وفتال النيسابورى في الروضة بادنى تغيير.
(٢) البلس - بالضم -: جمع أبلس: المتحير.
والخرس - بالضم -: جمع أخرس: الذى انعقد لسانه عن الكلام.
(٣) هو أبوالعاص بن الربيع بن عبدالعزى بن عبد شمس بن عبد مناف ابن اخت خديجة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله امه هالة بنت خويلد، كان اسم أبى العاص لقيط أو هشيم أو مهشم وهو من رجال مكة. المعدودين مالا وتجارة وأمانة، زوجه رسول الله زينب أكبر بناته. فلما أكرم الله نبيه بنبوته آمنت خديجة وبناته فصدقن وشهدن الاسلام وثبت أبوالعاص على شركه ويحرضه قريش أن يفارق صاحبته على أن يزوجه أية امرأة شاء فلم يرض. وكان رسول الله صلى الله عليه وآله " بقية الحاشية في الصفحة الاتية "
[٤٥٥]
" وروى عنه عليه السلام في قصار هذه المعانى " قال له (١) رجل: أوصني؟ قال عليه السلام: وتقبل؟ قال: نعم.
قال: توسد الصبر واعتنق الفقر. وارفض الشهوات. وخالف الهوى. واعلم أنك لن تخلو من عين الله فانظر كيف تكون.
وقال عليه السلام: أوحى الله إلى بعض الانبياء: أما زهدك في الدنيا فتعجلك الراحة،
__________
" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " لا يحل بمكة ولا يحرم مغلوبا على أمره وكان الاسلام قد فرق بينهما الا انه صلى الله عليه وآله كان لا يقدر أن يفرق بينهما فأقامت على اسلامها وهو على شركه حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله والخبر في حسن مصاهرته في ايام الشعب مشهور. فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم ابوالعاص فاصيب في الاسارى فكان في المدينة عند رسول الله، فلما بعث أهل مكة في فداء اسرائهم بعثت زينب في فداء أبى العاص بمال وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة ادخلتها بها على ابن العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله رق لها رقة شديدة وقال لاصحابه: إن رأيتم ان تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليه الذى لها فافعلوا؟ قالوا: نعم يا رسول الله فاطلقوه وردوا عليها مالها وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخذ أو شرط عليه أن يخلى سبيل زينب إليه فوعده أبوالعاص بذلك فلما ذهب أبوالعاص إلى مكة خلى سبيله وبعثها مع أخيه كنانة بن الربيع حتى لحقت برسول الله صلى الله عليه وآله في الطريق بعد أن أصابت من المشركين في الطريق أذى كثيرة ونالت منهم ما نالت وجاء‌ت زينب إلى المدينة وأقامت عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأقام أبوالعاص بمكة حتى إذا كان قبيل الفتح في سنة ٨ من الهجرة خرج أبوالعاص تاجرا إلى الشام وكان رجلا مأمونا بمال له وأموال لرجال من قريش يضعوها معه، فما فرغ من تجارته وأقبل غافلا لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وآله فأصابوا ما معه وأعجزهم هاربا فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله جاء ابوالعاص في طلب ماله تحت الليل حتى أتى المدينة ودخل على زينب بنت رسول الله فاستجار بها فأجارته فلما أصبح اتت زينب إلى المسجد فاستجارت له من المسلمين فأجاروه فدخل رسول الله على بنته فقال: اى بنية اكرمى مثواه ولا يخلص اليك فانك لا تحلين له وبعث إلى السرية الذين اصابوا مال ابى العاص فردوه عليه بأسره ثم احتمال إلى مكة فأدى إلى كل ذى مال من قريش ماله فاسلم ورجع إلى المدينة ورد رسول الله زينب على النكاح الاول لم يحدث شيئا بعد سنين توفى ابوالعاص سنة ١٢ وتزوج على عليه السلام ابنته امامة بنت زينب بعد وفات فاطمه عليها السلام بوصية منها.
(١) في بعض النسخ [ قال للجواد عليه السلام رجل ].
[٤٥٦]
وأما انقطاعك إلي فيعززك بي. ولكن هل عاديت لي عدوا وواليت لي وليا.
وروي أنه حمل له حمل بز (١) له قيمة كثيرة، فسل في الطريق، فكتب إليه الذي حمله يعرفه الخبر، فوقع بخطه إن أنفسنا وأموالنا من مواهب الله الهنيئة و عواريه المستودعة يمتع بما متع منها في سرور وغبطة ويأخذ ما أخد منها في أجر وحسبة (٢). فمن غلب جزعه على صبره حبط أجره ونعوذ بالله من ذلك. وقال عليه السلام: من شهد أمرا فكرهه كان كمن غاب عنه. ومن غاب عن أمر فرضيه كان كمن شهده.
وقال عليه السلام: من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبدالله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس.
وقال داود بن القاسم (٣): سألته عن الصمد؟ فقال عليه السلام: الذي لا سرة له (٤).
قلت: فإنهم يقولون: إنه الذي لا جوف له؟ فقال عليه السلام: كل ذي جوف له سرة.
فقال له أبوهشام الجعفري في يوم تزوج ام الفضل ابنة المأمون: يا مولاي لقد عظمت علينا بركة هذا اليوم فقال عليه السلام: يا أبا هاشم عظمت بركات الله علينا فيه؟ قلت: نعم يا مولاي، فما أقول في اليوم؟ فقال: قل فيه خيرا، فإنه يصيبك.
قلت: يا مولاي أفعل هذا ولا اخالفه.
قال عليه السلام: إذا ترشد ولا ترى إلا خيرا.
وكتب إلى بعض أوليائه: أما هذه الدنيا فإنا فيها مغترفون ولكن من كان هواه هوى صاحبه ودان بدينه فهو معه حيث كان (٥). والآخرة هي دار القرار.
وقال عليه السلام: تأخير التوبة اغترار. وطول التسويف حيرة. والاعتلال على الله هلكة (٦) والاصرار على الذنب أمن لمكر الله " ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون (٧) ".
___________
(١) الحمل - بالكسر - ما يحمل. والرز - بالفتح والتشديد -: الثياب من القطن أو الكتان.
وأمتعة التاجر من الثياب. وأيضا: السلاح. وسل الشئ: سرقه خفية، والسال: السارق.
(٢) الحسبة - بالكسر -: الاجر.
(٣) مر ترجمته آنفا.
(٤) السرة - بالضم والتشديد -: التجويف الصغير المعهود في وسط البطن.
(٥) فاذا كان ميلك وهواك إلى وتحبنى كنت انت معى حيث كنت انا.
(٦) اى من تجنى على الله باثم فقد فسد روحه وخبث طينته فكان فيه هلاكه.
(٧) سورة الاعراف آيه ٩٧.
[٤٥٧]
وروي أن جمالا حمله من المدينة إلى الكوفة (١) فكلمه في صلته وقد كان أبوجعفر عليه السلام وصله بأربع مائة دينار، فقال عليه السلام: سبحان الله، أما علمت أنه لا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العباد.
وقال عليه السلام: كانت مبايعة رسول الله صلى الله عليه واله النساء أن يغمس يده في إناء فيه ماء ثم يخرجها وتغمس النساء بأيديهن في ذلك الاناء بالاقرار والايمان بالله والتصديق برسوله على ما أخذ عليهن.
وقال عليه السلام: إظهار الشئ قبل أن يستحكم مفسدة له.
وقال عليه السلام: المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله وواعظ من نفسه وقبول ممن ينصحه.
____________
(١) كانت لابى جعفر عليه السلام رحلتان إلى العراق الاولى سنة إحدى عشرة ومائتين ووجه المأمون إلى المدينة من حملة وأنزله بالقرب من داره وعزم عل تزويجه ابنته وحملها معه بعد إلى المدينة وكان المأمون متوفرا على إكرامه وتعظيمه وتبجيله وإجلال قدره. فلم يزل بها إلى أن أشخصه المعتصم في أول سنة خمس وعشرين ومائتين إلى بغداد وهى الثانية فأقام بها حتى قتل مسموما في آخر ذى العقدة من تلك السنة فدفن في جنب جده أبى الحسن موسى عليه السلام.
X
X

Compartir
Compartir
X

MobinPlayer