* (وصيته عليه السلام لابى جعفر محمد بن النعمان الاحول (٥)) *
قال أبوجعفر: قال لي الصادق عليه السلام: إن الله عزوجل عير أقواما في القرآن بالاذاعة، فقلت له: جعلت فداك أين قال؟ قال: قوله: " وإذا جاء‌هم أمر من الامن أو
________
(١) منجدا أى مزينا.
(٢) سورة ص آية ٦٢.
(٣) سورة ص آية ٦٣.
(٤) سورة المطففين آية ٣٤، ٣٥.
(٥) هو أبوجعفر محمد بن على بن النعمان الكوفى المعروف عندنا بصاحب الطاق ومؤمن الطاق والمخالفون يقلبونه شيطان الطاق، كان صيرفيا في طاق المحامل بالكوفة يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد فيقال: شيطان الطاق وهو من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام كان رحمه الله ثقة، متكلما، حاذقا، كثير العلم، حسن الخاطر، حاضر الجواب حكى عن أبى خالد الكابلى أنه قال: رأيت أبا جعفر صاحب الطاق وهو قاعد في الروضة قد قطع أهل المدينة ازاره وهو دائب " بقية الحاشية في الصفحة الاتية "
[٣٠٨]
الخوف أذاعوا به (١) " ثم قال: المذيع علينا سرنا كالشاهر بسيفه علينا، رحم الله عبدا سمع بمكنون علمنا فدفنه تحت قدميه.
والله إني لاعلم بشراركم من البيطار بالدواب، شراركم الذين لا يقرؤون القرآن إلا هجرا ولا يأتون الصلاة إلا دبرا ولا يحفظون ألسنتهم (٢).
اعلم أن الحسن بن علي عليهما السلام لما طعن واختلف الناس عليه سلم الامر لمعاوية فسلمت عليه الشيعة عليك السلام يا مذل المؤمنين.
فقال عليه السلام: " ما أنا بمذل المؤمنين ولكني معز المؤمنين. إني لما رأيتكم ليس بكم عليهم قوة سلمت الامر لابقى أنا وأنتم بين أظهرهم، كما عاب العالم السفينة لتبقى لاصحابها وكذلك نفسي وأنتم لنبقى بينهم ".
يا ابن النعمان إني لاحدث الرجل منكم بحديث فيتحدث به عني، فأستحل بذلك لعنته والبراء‌ة منه.
فإن أبي كان يقول: "وأي شئ أقر للعين من التقية، إن التقية جنة المؤمن (٣) ولولا التقية ما عبدالله".
وقال الله عزوجل: " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ
___________
" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " يجيبهم ويسألونه فدنوت منه وقلت: إن أبا عبدالله عليه السلام نهانا عن الكلام. فقال: وأمرك أن تقول لى؟ فقلت: لا والله ولكنه أمرنى أن لا اكلم أحدا قال: فاذهب وأطعه فيما أمرك. فدخلت على أبى عبدالله عليه السلام فأخبرته بقصة صاحب الطاق وما قلت له وقوله: اذهب وأطعه فيها أمرك فتبسم أبوعبدالله عليه السلام وقال: يا أبا خالد ان صاحب الطاق يكلم الناس فيطير وينقص وأنت إن قصوك لن تطير انتهى.
وله مع أبى حنيفة حكايات نقلها المؤرخون وأهل السير فمنها أنه لما مات الصادق عليه السلام رأى أبوحنيفة مؤمن الطاق فقال له: مات إمامك، قال: نعم اما إمامك فمن المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. وله كتب منها كتاب الامامة وكتاب المعرفة وكتاب الرد على المعتزلة في إمامة المفضول وكتاب في إثبات الوصية وغير ذلك. وما قيل: إن الطاق حصن بطبرستان وبه سكن محمد بن النعمان المعروف سهو ولعل أصله منها والا كان رحمه الله يسكن الكوفة كما يظهر من مباحثاته مع أبى حنيفة وامثاله.
(١) سورة النساء آية ٨٢.
(٢) الهجر - بالضم -: الهذيان والقبيح من الكلام.
والدبر - بضم فسكون أو بضمتين - من كل شئ: مؤخره وعقبه.
(٣) لان بها يحفظ أساس الاسلام واصوله. ورواه الكلينى في الكافى عن محمد بن عجلان.
[٣٠٩]
إلا أن تتقوا منهم تقاة (١) ".
يا ابن النعمان إياك والمراء، فإنه يحبط عملك.وإياك والجدال، فإنه يوبقك. وإياك وكثرة الخصومات، فإنها تبعدك من الله.
ثم قال: إن من كان قبلكم كانوا يتعلمون الصمت وأنتم تتعلمون الكلام، كان أحدهم إذا أراد التعبد يتعلم الصمت قبل ذلك بعشر سنين فإن كان يحسنه ويصبر عليه تعبد وإلا قال: ما أنا لما أروم بأهل (٢)، إنما ينجو من أطال الصمت عن الفحشاء وصبر في دولة الباطل على الاذى، أولئك النجباء الاصفياء الاولياء حقا وهم المؤمنون. إن أبغضكم إلي المتراسون (٣). المشاؤون بالنمائم، الحسدة لاخوانهم ليسوا مني ولا أنا منهم. إنما أوليائي الذين سلموا لامرنا واتبعوا آثارنا واقتدوا بنا في كل امورنا. ثم قال: والله لو قدم أحدكم مل‌ء الارض ذهبا على الله ثم حسد مؤمنا لكان ذلك الذهب مما يكوى به في النار.
يا ابن النعمان إن المذيع ليس كقاتلنا بسيفه بل هو أعظم وزرا، بل هو أعظم وزرا، بل هو أعظم وزرا.
يا ابن النعمان إنه من روى علينا حديثا (٤) فهو ممن قتلنا عمدا ولم يقتلنا خطاء.
يا ابن النعمان إذا كانت دولة الظلم فامش واستقبل من تتقيه بالتحية، فإن المتعرض للدولة قاتل نفسه(٥) وموبقها، إن الله يقول: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة (٦) ".
يا ابن النعمان إنا أهل بيت لا يزال الشيطان يدخل فينا من ليس منا ولا من
______________
(١) سورة آل عمران آية ٢٧.
(٢) رام الشئ يروم روما: أراده.
(٣) تراس القوم الخبر: تساروه. وارتس الخبر في الناس: فشا وانتشر.
ويحتمل أن يكون كما في بعض نسخ الحديث [ المترأسون ] بالهمزة من ترأس أى صار رئيسا.
(٤) في بعض النسخ [ حديثنا ].
(٥) كان ذلك إذا حفظ بها اصول الاسلام وأساس الدين وضرورياته وإلا فلا يجوز بل حرام فليس هذا بعمل التقية.
(٦) سورة البقرة آية ١٩٥.
[٣١٠]
أهل ديننا، فإذا رفعه ونظر إليه الناس أمره الشيطان فيكذب علينا، وكلما ذهب واحد جاء آخر.
يا ابن النعمان من سئل عن علم، فقال: لا أدري فقد ناصف العلم. والمؤمن يحقد ما دام في مجلسه، فإذا قام ذهب عنه الحقد.
يا ابن النعمان إن العالم لا يقدر أن يخبرك بكل ما يعلم. لانه سر الله الذي أسره إلى جبرئيل عليه السلام وأسره جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وآله وأسره محمد صلى الله عليه وآله إلى علي عليه السلام وأسره علي عليه السلام إلى الحسن عليه السلام وأسره الحسن عليه السلام إلى الحسين عليه السلام وأسره الحسين عليه السلام إلى علي عليه السلام وأسره علي عليه السلام إلى محمد عليه السلام وأسره محمد عليه السلام إلى من أسره، فلا تعجلوا فو الله لقد قرب هذا الامر (١) ثلاث مرات فأذعتموه، فأخره الله. والله ما لكم سر إلا وعدوكم أعلم به منكم.
يا ابن النعمان ابق على نفسك فقد عصيتني. لا تذع سري، فإن المغيرة بن سعيد (٢) كذب على أبي وأذاع سره فأذاقه الله حر الحديد. وإن أبا الخطاب كذب
________________
(١) نقل المجلسى قدس سره في البحار عن كتاب الغيبة للشيخ الطوسى رحمه الله باسناده إلى ابى بصير قال.
قلت له: ألهذا الامر أمد نريح إليه أبداننا وننتهى إليه؟ قال: بلى ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه.
وأيضا باسناده إلى أبى حمزة الثمالى قال: قلت لابى جعفر عليه السلام: إن عليا عليه السلام كان يقول: " إلى السبعين بلاء " وكان يقول: " بعد البلاء رخاء " وقد مضت السبعون ولم نر رخاء‌ا فقال أبوجعفر عليه السلام: يا ثابت إن الله تعالى كان وقت هذا الامر في السبعين فلما قتل الحسين عليه السلام اشتد غضب الله على أهل الارض فأخره إلى أربعين ومائة سنة فحدثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع الستر فأخر الله ولم يجعل بعد ذلك وقتا عندنا ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب. قال ابوحمزة: وقلت ذلك لابى عبدالله عليه السلام فقال عليه السلام، كان ذاك.
(٢) كان هو من الكذابين الغالين كبنان والحارث الشامى وعبدالله بن عمر الحرث وأبوالخطاب وحمزة بن عمارة البربرى وصائد النهدى ومحمد بن فرات وأمثالهم ممن اعيروا الايمان فانسلخ منهم وانهم يدسون الاحاديث في كتب الحديث حتى أنهم عليهم السلام قالوا: لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا. ولا تقبلوا علينا الا ما وافق الكتاب والسنة.
وحكى عن قاضى مصر نعمان ابن محمد بن منصور المعروف بابى حنيفة المغربى المتوفى ٣٦٣ عن دعائم الاسلام أنه ذكر قصة " بقية الحاشية في الصفحة الاتية " 
[٣١١]
علي وأذاع سري فاذاقه الله حر الحديد. ومن كتم أمرنا زينه الله به في الدنيا والآخرة وأعطاه حظه ووقاه حر الحديد وضيق المحابس. إن بني إسرائيل قحطوا حتى هلكت المواشي والنسل فدعا الله موسى بن عمران عليه السلام فقال: يا موسى إنهم أظهروا الزنا والربا وعمروا الكنائس وأضاعوا الزكاة. فقال: إلهي تحنن برحمتك (١) عليهم، فإنهم
____________
" بقية الحاشية من الصفحة الماضية " الغلاة في عصر أمير المؤمنين عليه السلام واحراقه إياهم بالنار ثم قال: وكان في أعصار الائمة من ولده عليهم السلام من قبل ذلك ما يطول الخبر بذكرهم كالمغيرة بن سعيد من أصحاب أبى جعفر محمد بن على عليهما السلام ودعاته فاستزله الشيطان إلى أن قال: واستحل المغيرة وأصحابه المحارم كلها وأباحوها وعطلوا الشرائع وتركوها وانسلخوا من الاسلام جملة وبانوا من جميع شيعة الحق واتباع الائمة وأشهر أبوجعفر عليه السلام لعنهم والبراء‌ة منهم الخ.
وقد تظافرت الروايات بكونه كذابا كان يكذب على ابى جعفر عليه السلام وفى رواية عن أبى عبدالله عليه السلام أنه يقول: " كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبى ويأخذ كتب أصحابه فكان أصحابه المستترون بأصحاب أبى يأخذون الكتب من أصحاب أبى فيدفعونها إلى المغيرة فكان يدس فيها الكفر والزندقة ويسدوها إلى أبى ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم أن يبثوها في الشيعة فكل ما كان في كتب أصحاب أبى من الغلو فذاك مما دسه المغيرة بن سعيد في كتبهم ". وفى رواية قال أبوجعفر عليه السلام: هل تدرى ما مثل المغيرة؟ قال - الراوى -: قلت: لا. قال عليه السلام: مثله مثل بلعم بن باعور. قلت: ومن بلعم؟ قال عليه السلام: الذى قال الله عزوجل. " الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان وكان من الغاوين ". واما أبوالخطاب فهو محمد بن مقلاص أبى زينب الاسدى الكوفى البراد يكنى أبا ظبيان غال ملعون من أصحاب أبى عبدالله عليه السلام في أول أمره ثم أصابه ما أصاب المغيرة فانسلخ من الدين وكفر، وردت روايات كثيرة في ذمه ولعنه وحكى عن قاضى نعمان أنه ممن استحل المحارم كلها ورخص لاصحابه فيها وكانوا كلما ثقل عليهم اداء فرض أتوه فقالوا: يا أبا الخطاب خفف عنا، فيأمرهم بتركه حتى تركوا جميع الفرائض واستحلوا جميع المحارم وأباح لهم أن يشهد بعضهم لبعض بالزور وقال: من عرف الامام حل له كل شئ كان حرم عليه، فبلغ أمره جعفر بن محمد عليهما السلام فلم يقدر عليه باكثر من أن يلعنه ويتبرأ منه وجمع أصحابه فعرفهم ذلك وكتب إلى البلدان بالبراء‌ة منه وباللعنة عليه وعظم أمره على أبى عبدالله عليه السلام واستفظعه واستهاله انتهى ولعنه الصادق عليه السلام ودعا عليه باذاقة حر الحديد فاستجاب الله دعاء‌ه فقتله عيسى بن موسى العباسى والى الكوفة. ولمزيد الاطلاع راجع الرجال لابى عمرو الكشى رحمه الله.
(١) تحنن عليه: ترحم عليه.
[٣١٢]
لا يعقلون. فأوحى الله إليه أني مرسل قطر السماء ومختبرهم بعد أربعين يوما. فأذاعوا ذلك وأفشوه. فحبس عنهم القطر أربعين سنة وأنتم قد قرب أمركم فأذعتموه في مجالسكم.
يا أبا جعفر ما لكم وللناس كفوا عن الناس ولا تدعوا أحدا إلى هذا الامر (١)، فو الله لو أن أهل السماوات [ والارض ] إجتمعوا على أن يضلوا عبدا يريد الله هداه ما استطاعوا أن يضلوه. كفوا عن الناس ولا يقل أحدكم: أخي وعمي وجاري. فإن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا طيب روحه فلا يسمع معروفا إلا عرفه ولا منكرا إلا أنكره، ثم قذف الله في قلبه كلمة يجمع بها أمره.
يا ابن النعمان إن أردت أن يصفو لك ود أخيك فلا تمازحنه ولا تمارينه ولا تباهينه (٢) ولا تشارنه ولا تطلع صديقك من سرك إلا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك. فإن الصديق قد يكون عدوك يوما.
يا ابن النعمان لا يكون العبد مؤمنا حتى يكون فيه ثلاث سنن: سنة من الله وسنة من رسوله وسنة من الامام، فأما السنة من الله عزوجل فهو أن يكون كتوما للاسرار يقول الله جل ذكره: " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (٣) " وأما التي من رسول الله صلى الله عليه وآله فهو أن يداري الناس ويعاملهم بالاخلاق الحنيفية، وأما التي من الامام فالصبر في البأساء والضراء حتى يأتيه الله بالفرج.
يا ابن النعمان ليست البلاغة بحدة اللسان ولا بكثرة الهذيان ولكنها إصابة المعنى وقصد الحجة (٤).
___________
(١) أى كفوا عن دعوتهم إلى دين الحق في زمن شدة التقية.
قال عليه السلام: هذا في زمان العسرة والشدة على المؤمنين في دولة العباسية وحاصل الكلام أن من يريد الله هداه لن يستطيع أحد أن يضله وهكذا من لم يرد الله أن يهديه لن يستطيع أحد أن يهديه.
ورواه الكلينى في الكافى ج ٢ ص ٢١٣ عن ثابت بن سعيد وفيه [ لا تدعو أحدا إلى أمركم فو الله لو أن أهل الارضين اجتمعوا على أن يهدوا عبدا يريد الله ضلالته ما استطاعوا على أن يهدوه ولو أن أهل السماوات وأهل الارضين اجتمعوا على أن يضلوا عبدا ... الخ ].
(٢) أى ولا تفاخرنه. و " لا تشارنه " أى ولا تخاصمنه.
(٣) سورة الجن آية ٢٦.
(٤) كذا.
[٣١٣]
يا ابن النعمان من قعد إلى ساب (١) أولياء الله فقد عصى الله.
ومن كظم غيظا فينا لا يقدر على إمضائه كان معنا في السنام الاعلى (٢).
ومن استفتح نهاره بإذاعة سرنا سلط الله عليه حر الحديد وضيق المحابس.
يا ابن النعمان لا تطلب العلم لثلاث: لترائي به. ولا لتباهي به. ولا لتماري ولا تدعه لثلاث: رغبة في الجهل. وزهادة في العلم. واستحياء من الناس. والعلم [ ال‍ ] مصون كالسراج المطبق عليه.
يا ابن النعمان إن الله عزوجل إذا أراد بعبد خيرا نكت في قلبه نكتة بيضاء فجال القلب يطلب الحق.
ثم هو إلى أمركم أسرع من الطير إلى وكره (٣).

يا ابن النعمان إن حبنا - أهل البيت - ينزله الله من السماء من خزائن تحت العرش كخزائن الذهب والفضة ولا ينزله إلا بقدر ولا يعطيه إلا خير الخلق وإن له غمامة كغمامة القطر، فإذا أراد الله أن يخص به من أحب من خلقه أذن لتلك الغمامة فتهطلت كما تهطلت السحاب (٤). فتصيب الجنين في بطن امه.
X
X

Compartir
Compartir
X

MobinPlayer