وصفه عليه السلام الدنيا للمتقين
قال جابر بن عبدالله الانصاري: كنا مع أمير المؤمنين عليه السلام بالبصرة فلما فرغ من قتال من قاتله أشرف علينا من آخر الليل (5) فقال: ما أنتم فيه؟ فقلنا: في ذم الدنيا. فقال: على م تذم الدنيا - يا جابر -؟ ! (6).
___________________
(1) ملق - بفتح فكسر ككذب مصدر -: التودد والتذلل والاظهار باللسان من الاكرام والود ما ليس في القلب. وفى الامالى [ وكان لغيره ودهم فان بقى معه من يوده يظهر له الشكر الخ ]. (2) الخدين: الحبيب والصديق. (3) العانى: السائل. (4) في الامالى [ فان الفوز بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الاخرة ]. (5) أشرف علينا: دنا منا وأشفق " فقال: ما أنتم فيه " أى في أى حال أنتم وما كلامكم؟. (6) رواه الشيخ الطوسى في المجلس السابع من أماليه مع اختلاف كثير قد تعرضنا لبعضه في الهامش. عن جابر بن عبدالله قال: بينا أمير المؤمنين عليه السلام في جماعة من أصحابه أنا فيهم إذ ذكروا الدنيا وتصرفها بأهلها، فذمها رجل وذهب في ذمها كل مذهب فقال امير المؤمنين (ع): أيها الذام للدنيا أنت المتجرم عليها أم هى المتجرمة عليك فقال: بل أنا المتجرم عليها يا أمير المؤمنين، قال فيم تذمها أليست منزل صدق لمن صدقها - إلى آخر الكلام - ورواه محمد بن طلحة في مطالب السؤول ص 51 الطبعة الاولى. والمفيد أيضا في الارشاد مع اختلاف.
[187]
ثم حمد الله وأثنى عليه وقال: أما بعد فما بال أقوام يذمون الدنيا؟ انتحلوا الزهد فيها. الدنيا منزل صدق لمن صدقها ومسكن عافية لمن فهم عنها ودار غنى لمن تزود منها مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ومصلى ملائكته ومسكن أحبائه ومتجر أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا منها الجنة، فيمن ذا يذم الدنيا يا جابر؟ و قد آذنت ببينها (1) ونادت بانقطاعها ونعت نفسها بالزوال ومثلت ببلائها البلاء وشوقت بسرورها إلى السرور وراحت بفجيعة وابتكرت بنعمة وعافية ترهيبا وترغيبا، يذمها قوم عند الندامة. خدمتهم جميعا فصدقتهم (2). وذكرتهم فذكروا ووعظتهم فاتعظوا وخوفتهم فخافوا. وشوقتهم فاشتاقوا. فأيها الذام للدنيا المغتر بغرورها متى استذمت إليك بل متى غرتك بنفسها؟ بمصارع آبائك من البلى؟(3) أم بمضاجع امهاتك من الثرى؟. كم مرضت بيديك وعللت بكفيك (4)، تستوصف لهم الدواء. وتطلب لهم الاطباء، لم تدرك فيه طلبتك ولم تسعف فيه بحاجتك (5)، بل مثلت الدنيا به نفسك وبحاله حالك غداة لا ينفعك أحباؤك ولا يغني عنك نداؤك، حين يشتد من الموت أعالين المرض وأليم لوعات المضض، حين لا ينفع الاليل (6) ولا يدفع العويل،
___________________
(1) آذنت - بمد الهمزة - أى أعلمت ببعدها. ونعاه اذا أخبر بفقده. (2) راحت: وافت وقد العشى. وابتكرت: اصبحت. ومن قوله: " راحت بفجيعة " إلى هنا في مطالب السؤول هكذا [ فان راحت بفجيعة فقد غدت بمبتغى وان أغضرت بمكروه فقد أسفرت بمشتهى، ذمها رجال يوم الندامة ومدحها آخرون، حدثتهم فصدقوا وذكرتهم فذكروا ]. وفى الامالى [ فابتكرت بعافية وراحت بفجيعة فذمها رجال فرطوا غداة الندامة وحمدها آخرون اكتسبوا فيها الخير ]. (3) المصرع: مكان الصرع أى السقوط. والبلى - بكسر الباء: الفناء بالتحلل. والثرى: التراب الندى. (4) مرض المريض: خدمه في مرضه. وعلله: خدمه في علته. وفى الامالى [ وعالجت بكفيك تلتمس لهم الشفاء وتستوصف لهم الاطباء لم تنفعهم بشفاعتك ولم تسعفهم في طلبتك ]. (5) الطلبة - بالكسر -: ما يطلب أى المطلوب. وتسعف بحاجته أى تقضاها له. (6) " أعالين المرض " كذا في جميع النسخ التى رأيناها ولعله جمع إعلان. ولوعات: جمع لوعة وهى الحرقة من هم أو شوق. والمضض: الالم والوجع. ولوعة المضض: حرقته. والاليل: الانين والثكل. والعويل: رفع الصوت بالبكاء والصياح.
[188]
يحفز بها الحيزوم (1) ويغص بها الحلقوم، لا يسمعه النداء ولا يروعه الدعاء فيا طول الحزن عند انقطاع الاجل. ثم يراح به على شرجع (2) نقله أكف أربع، فيضجع في قبره في لبث وضيق جدث فذهبت الجدة (3) وانقطعت المدة ورفضته العطفة وقطعته اللطفة، لا تقاربه الاخلاء ولا يلم به الزوار(4) ولا اتسقت به الدار. انقطع دونه الاثر واستعجم دونه الخبر (5). وبكرت ورثته، فاقتسمت تركته ولحقه الحوب وأحاطت به الذنوب. فإن يكن قدم خيرا طاب مكسبه. وإن يكن قدم شرا تب منقلبه. وكيف ينفع نفسا قرارها والموت قصارها (6) والقبر مزارها، فكفى بهذا واعظا. كفى يا جابر امض معي فمضيت معه حتى أتينا القبور، فقال: يا أهل التربة و يا أهل الغربة أما المنازل فقد سكنت. وأما المواريث فقد قسمت وأما الازواج فقد نكحت. هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟ ثم أمسك عني مليا. ثم رفع رأسه فقال: والذي أقل السماء فعلت (7) وسطح الارض فدحت لو أذن للقوم في الكلام، لقالوا: إنا وجدنا خير الزاد التقوى. ثم قال: يا جابر إذا شئت فارجع.
X
X

Compartir
Compartir
X

MobinPlayer