ومن كلامه عليه السلام في الزهد وذم الدنيا وعاجلها
إني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وتحببت بالعاجلة وعمرت بالآمال (3) وتزينت بالغرور، لا تدوم حبرتها (4) ولا تؤمن فجعتها، غرارة، ضرارة، زائلة، نافدة أكالة، غوالة (5)، لا تعدو - إذا هي تناهت إلى امنية أهل الرغبة فيها والرضا بها - أن تكون كما قال الله سبحانه: " كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الارض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا"(6). مع أن امرء‌ا لم يكن منها
___________________
(1) أى تحمل المشاق والشدائد في طريق الوصول إلى الحق. (2) في الامالى [ فان ذلك أوجب للحجة وأصلح للرعية ]. (3) في النهج [ وتحلت بالامال ]. (4) الحبرة - بالفتح -: السرور والنعمة. وفى بعض نسخ الحديث [ لا تدوم خيرها ]. (5) نافدة: فانية. أكالة: كثير الاكل. وفى النهج [ حائلة زائلة، نافدة، بائدة ] وغوالة أى مهلكة. (6) سورة الكهف آية 44. الهشيم: النبت اليابس المتكسر.
[181]
في حبرة إلا أعقبته عبرة (1) ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا (2) ولم تطله فيها ديمة رخاء (3) إلا هتفت عليه مزنة بلاء. إذا هي أصبحت منتصرة أن تمسي له منكرة (4). وإن جانب منها اعذوذب لامرء واحلولى، أمر عليه جانب منها فأوبى (5) وان لبس امرؤ منها في جناح أمن إلا أصبح في أخوف خوف (6) غرارة، غرور ما فيها، فانية فان من عليها. لا خير في شئ من زادها إلا التقوى. من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها لم يدم له وزال عما قليل عنه. كم من واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته. وذي حذر قد خدعته. وكم ذي ابهة فيها قد صيرته حقيرا. وذي نخوة قد ردته جائعا فقيرا. وكم ذي تاج قد أكبته لليدين والفم. سلطانها ذل(7) وعيشها رنق. وعذبها اجاج. وحلوها صبر (8). حيها بعرض موت. وصحيحها بعرض سقم. ومنيعها بعرض اهتضام (9). وملكها مسلوب وعزيزها مغلوب وأمنها منكوب (10) وجارها محروب ومن وراء ذلك سكرات الموت وزفراته وهول المطلع
___________________
(1) العبرة بالفتح -: الدمعة. (2) كأن المراد بالبطن والظهر الاقبال والادبار. (3) الديمة - بالكسر -: مطر يدوم في سكون ولا رعد. الرخاء - بالفتح -: السعة في العيش. والمزنة - بالضم -: القطعة من المزن أى السحاب. ويحتمل أن يكون كما في النهج [ ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هتنت عليه مزنة بلاء ]. الطل: المطر الضعيف. وطلت السماء الارض: قطرت عليها الطل. وهتنت المزن: تتابع مطرها وانصب. (4) في النهج [ وحرى إذا اصبحت له منتصرة أن تمسى له منكرة ]. (5) اعذوذب واحلولى: افعوعل - من ابنية المبالغة - من العذوبة والحلاوة. فاوبى: صار كثير الوباء. (6) في النهج [ الا أصبح على قوادم خوف ]. (7) في النهج [ دول ]. وفى بعض النسخ [ زل ] بالزاى. (8) رنق: ككدر لفظا ومعنى. والصبر - ككتف - وقد تسكن الباء نادرا: عصارة شجر مر. (9) المنيع: العزيز الشديد الذى لا يقدر عليه. واهتضمه: دفعه عن موضعه وظلمه وكسر عليه حقه. (10) المنكوب: المصاب بنكبة: والمحروب: الذى سلب ماله وترك بلا شئ.
[182]
والوقوف بين يدي الحاكم العدل " ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " الستم في مساكن من كان أطول منكم أعمارا وأبين آثارا وأعد منكم عديدا وأكثف منكم جنودا وأشد منكم عنودا (1). تعبدوا للدنيا أي تعبد وآثروها أي إيثار. ثم ظعنوا عنها بالصغار (2). أفهذه تؤثرون؟ أم على هذه تحرصون؟ أم إليها تطمئنون؟ يقول الله: " من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون * اولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون (3) " فبئست الدار لمن لم يتهيبها (4) ولم يكن فيها على وجل. واعلموا - وأنتم تعلمون - أنكم تاركوها لابد وإنما هي كما نعت الله: " لعب ولهو وزينة و تفاخر بينكم وتكاثر في الاموال والاولاد " (5) فاتعظوا فيها بالذين كانوا يبنون بكل ريع آية يعبثون ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون (6) وبالذين قالوا: " من أشد منا قوة " (7) واتعظوا بمن رأيتم من إخوانكم كيف حملوا إلى قبورهم ولا يدعون ركبانا وانزلوا ولا يدعون ضيفانا (8). وجعل لهم من الضريح أكنان (9) ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران (10). فهم جيرة (11) لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما. لا يزورون
___________________
(1) أى مخالفة للحق والعدول عنه مع العلم به. (2) الصغار - بالفتح -: الهون والذلة. وفى النهج [ بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع ]. (3) سورة هود آية 15. (4) " لم يتهيبها " أى لم يخف ولم يفزع منها. وفى النهج [ لم يتهمها ]. (5) سورة الحديد آية 20. (6) اشارة إلى قوله تعالى في سورة الشعراء: 128. والريع: المكان المرتفع. (7) سورة فصلت: 16. (8) الضيفان - بالكسر -: جمع الضيف والضيفة. (9) الضريح القبر والشق في وسط القبر. والاكنان: جمع كن - بالكسر -: البيت ووقاء كل شئ وستره وفى النهج [ من الصفيح أجنان ]. (10) الرفاء: العظام المندقة المكسورة. (11) كذا - بالجيم المعجمة -: جمع الجار. ويحتمل أن يكون بالحاء المهملة.
[183]
ولا يزارون. حلماء قد بارت أضغانهم (1) جهلاء قد ذهبت أحقادهم. لا تخشى فجعتهم ولا يرجى دفعهم. وهم كمن لم يكن وكما قال الله سبحانه: " فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين " (2). استبدلوا بظهر الارض بطنا وبالسعة ضيقا وبالاهل غربة وبالنور ظلمة. جاؤوها كما فارقوها، حفاة عراة. قد ظعنوا منها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة وإلى خلود أبد يقول الله تبارك وتعالى: " كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فاعلين " (3).
X
X

Compartir
Compartir
X

MobinPlayer