1خطبته المعروفة بالوسيلة
كتبنا منه ما اقتضاه الكتاب دون غيره

الحمد لله الذي أعدم الاوهام (2) أن تنال إلا وجوده وحجب العقول أن تخال (3) ذاته لامتناعها من الشبه والتشاكل بل هو الذي لا يتفاوت ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله. فارق الاشياء لا باختلاف الاماكن. ويكون فيها لا على الممازجة. وعلمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها. وليس بينه وبين معلومه علم غيره (4) كان عالما لمعلومه. إن قيل: كان فعلى تأويل أزلية الوجود وإن قيل: لم يزل فعلى تأويل نفي العدم (5). فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه فاتخذ إلها غيره علوا كبيرا، نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه، وأوجب قبوله على نفسه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. شهادتان ترفعان القول وتضعان العمل (6). خف ميزان ترفعان منه، وثقل ميزان توضعان فيه. وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط. وبالشهادة تدخلون الجنة. وبالصلاة تنالون الرحمة. فأكثروا من الصلاة على نبيكم " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسلما ".

___________________

(1) هذه الخطبة قد نقلها الكلينى رحمه الله في كتاب الروضة بتمامها مع اختلاف كثير و لذلك تعرضنا لتلك الاختلافات في الهامش والمصنف رحمة الله عليه اختار منها ما اقتضاه الكتاب كما صرح به.
(2) في الروضة [ منع الاوهام ].
(3) في الروضة [ أن يتخيل ].
(4) يحتمل الاضافة والتوصيف فعلى الاول فالمراد أنه لا يتوسط بينه وبين معلومه علم غيره وعلى الثانى فالمراد أن ذاته المقدسة كافية للعلم ولا يحتاج إلى علم أى صورة علمية غير ذاته تعالى، بهذه الصورة العلمية وبارتسامها كان عالما بمعلومه كما في الممكنات.
(5) أى ليس كونه موجودا في الازل عبارة عن مقارنته للزمان أزلا لحدوث الزمان بل بمعنى أن ليس لوجوده ابتداء أو أنه تعالى ليس بزمانى و " كان " يدل على الزمانية فتأويله أن معنى كونه أزلا أن وجوده يمتنع عليه العدم ولعل المعنى الاخير في الفقرة الثانية متعين.
(6) تضعان خلاف ترفعان أى تثقلان.
وفى الروضة [ وتضاعفان العمل ].
[93]

أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام. ولا كرم أعز من التقوى. ولا معقل أحرز من الورع. ولا شفيع أنجح من التوبة. ولا لباس أجل من العافية. ولا وقاية أمنع من السلامة. ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى والقنوع، ومن اقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة. والرغبة مفتاح التعب. والاحتكار مطية النصب. والحسد آفة الدين. والحرص داع إلى التقحم في الذنوب وهو داع إلى الحرمان (1). والبغي سائق إلى الحين. والشره جامع لمساوي العيوب (2). رب طمع خائب. وأمل كاذب. ورجاء يؤدي إلى الحرمان. وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب. وبئست القلادة الدين للمؤمن (3). أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم. ولا عز أنفع من الحلم. ولا حسب أبلغ من الادب. ولا نصب أوجع من الغضب (4). ولا جمال أحسن من العقل. ولا قرين شر من الجهل. ولا سوأة أسوء من الكذب (5) ولا حافظ أحفظ من الصمت. ولا غائب أقرب من الموت.
أيها الناس إنه من نظر في عيب نفسه شغل عن عيب غيره. ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره. ومن سل سيف البغي قتل به. ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها. ومن هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته. ومن نسى زلته (6) استعظم زلل غيره. ومن أعجب برأيه ضل. ومن استغنى بعقله زل. ومن تكبر على الناس ذل ومن سفه

___________________
(1) قد مضى هذه الكلمات مع اختلاف يسير في وصيته لابنه الحسين عليهما السلام.
(2) الحين - بفتح المهملة والمثناة التحتانية -: الهلاك والمحنة والشرة غلبة الحرص والغضب والطيش والحدة والنشاط.
وفى بعض النسخ [ الشره ] وهو الحرص أيضا.
(3) وفى الروضة [ وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن ].
(4) النصب: التعب والمشقة الذى يتفرع على الغضب وهو من أخس المتاعب إذ لا ثمرة له ولا داعى إليه إلا عدم تملك النفس وفى بعض نسخ الروضة [ ولا نسب أوضع من الغضب ].
(5) السوأة: الخلة القبيحة والجمع سوء‌ات.
(6) الزلة: السقطة والخطيئة وفى بعض النسخ والروضة [ ومن نسى زلله ].
[94]

على الناس شتم. ومن خالط العلماء وقر. ومن خالط الانذال حقر. ومن حمل ما لا يطيق عجز (1).
أيها الناس إنه لا مال [ هو ] أعود من العقل (2). ولا فقر هو أشد من الجهل ولا واعظ هو أبلغ من النصح (3) ولا عقل كالتدبير. ولا عبادة كالتفكر. ولا مظاهرة أوثق من المشاورة (4). ولا وحدة أوحش من العجب. ولا ورع كالكف (5). ولا حلم كالصبر والصمت.
أيها الناس إن في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه، شاهد يخبر عن الضمير وحاكم يفصل بين الخطاب. وناطق يرد به الجواب. وشافع تدرك به الحاجة وواصف تعرف به الاشياء. وأمير يأمر بالحسن. وواعظ ينهى عن القبيح. ومعز تسكن به الاحزان. وحامد تجلى به الضغائن. ومونق يلهي الاسماع (6).
أيها الناس [ إنه ] لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل (7). اعلموا أيها الناس أنه من لم يملك لسانه يندم. ومن لا يتعلم يجهل. ومن لا يتحلم لا يحلم (8). ومن لا يرتدع لا يعقل. ومن لا يعقل يهن ومن يهن لا يوقر. ومن يتق ينج (9). ومن يكسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره (10).

___________________
(1) قد مضى بعض هذه الكلمات في وصيته لابنه الحسين عليهما السلام.
(2) الاعود: الانفع.
(3) النصح: الخلوص.
(4) المظاهرة: المعاونة.
والعجب: الكبر وإعجاب المرء بنفسه وبفضائله وأعماله.
(5) وفى الروضة [ كالكف عن المحارم ] وفى بعض نسخ الروضة [ ولا حكم كالصبر والصمت ].
أى ولا حكمة.
(6) المعزى من التعزية بمعنى التسلية والضغائن جمع الضغينة بمعنى الحقد وفى الروضة [ وحاضر تجلى به الضغائن ].
والموثق: المعجب وفى الروضة [ ومونق يتلذذ به ].
(7) الحكم - بالضم -: الحكمة.
(8) أى لا يحصل ملكة الحلم إلا بالتحلم وهو تكلف الحلم.
(9) الردع: الرد والكف.
" ومن لا يرتدع " أى من لا ينزجر عن القبائح بنصح الناصحين لا يكون عاقلا ولا يكمل عقله ولا يعقل قبح القبائح.
وفى الروضة [ ومن لا يوقر يتوبخ ].
(10) أى فيما لا يوجر عليه في الدنيا والاخرة.
[95]

ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم (1). ومن لم يعط قاعدا منع قائما (2). ومن يطلب العز بغير حق يذل. ومن عاند الحق لزمه الوهن. ومن تفقه وقر، و من تكبر حقر. ومن لا يحسن لا يحمد. أيها الناس إن المنية قبل الدنية. والتجلد قبل التبلد (3) والحساب قبل العقاب. والقبر خير من الفقر. وعمى البصر خير من كثير من النظر. والدهر [ يومان: ] يوم لك ويوم عليك (4) فاصبر فبكليهما تمتحن.
أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه (5). وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع (6). وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص. وإن ملكه اليأس قتله الاسف. وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ. وإن اسعد بالرضى نسي التحفظ (7). وإن ناله الخوف شغله الحزن (8). وإن اتسع بالامن استلبته الغرة. وإن جددت له نعمة أخذته العزة (9). وإن أفاد مالا أطغاه الغنى. وإن عضته فاقة (10) شغله البلاء. وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع. وإن أجهده الجزع

___________________
(1) أى من لا يترك الشر وما لا ينبغى على اختيار يدعه على اضطرار ولا يحمد بهذا الترك.
(2) أى من لم يعط المحتاجين حال كونه قاعدا يقوم عنده الناس ويسألونه يبتلى بان يفتقر إلى سؤال غيره فيقوم بين يديه ويسأله ولا يعطيه.
(3) المنية: الموت والدنية: الذلة يعنى أن المدت خير من الذلة، فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف وفى النهج " المنية ولا الدنية والتعلل ولا التوسل ] وهو أوضح.
والتجلد: تكلف الشدة والقوة.
والتبلد ضده.
(4) زاد في الروضة [ فاذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك - إلخ ] ولعله سقط من قلم النساخ.
(5) في النهج [ ولقد علق بنياط هذا الانسان بضعة هى أعجب ما فيه وذلك القلب ].
(6) سنح له: بدا وظهر.
(7) التحفظ: التوقى والتحرز من المضرات.
(8) وفى الروضة والنهج [ شغله الحذر ].
(9) الغرة - بالكسر -: الاغترار والغفلة.
واستلبته أى سلبته عن رشده ويمكن أن تكون " العزة " بالاهمال والزاى.
(10) " أفاد مالا " أى اقتناه.
وقوله: عضته أى اشتد عليه الفاقة والفقر.
[96]

قعد به الضعف. وإن افرط في الشبع كظته البطنة (1)، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. أيها الناس من قل ذل. ومن جاد ساد. ومن كثر ماله رأس (2). ومن كثر حلمه نبل (3). ومن فكر في ذات الله تزندق (4). ومن أكثر من شئ عرف به. ومن كثر مزاحه استخف به. ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته. فسد حسب [ من ] ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال. ليس من جالس الجاهل بذي معقول. من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال (5). لن ينجو من الموت غني بماله، ولا فقير لاقلاله.
أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط (6). فطنة الفهم للمواعظ مما يدعو النفس إلى الحذر من الخطأ (7). وللنفوس خواطر للهوى. والعقول تزجر وتنهى (8). وفي التجارب علم مستأنف. والاعتبار بقود إلى

___________________
(1) وفى الروضة والنهج [ وان جهده الجوع قعد به الضعف ].
والكظة - بالكسر -: ما يعترى الانسان عند الامتلاء من الطعام، يقال: كظ الطعام فلانا أى ملاء‌ه حتى لا يطيق التنفس.
البطنة - بالكسر -: الامتلاء المفرط من الاكل.
(2) رأس بفتح الهمزة أى هو رئيس للقوم ويحتمل أن يكون من رأس يرؤس أى مشى متبخترا أو أكل كثيرا.
(3) النبل: الفضل والشرف والنجابة.
(4) تزندق أى اتصف بالزندقة.
(5) في اللغة: يستعمل " القول " في الخير.
" والقال والقيل والقالة " في الشر.
والقول مصدر والقال والقيل اسمان له.
والقال الابتداء والقيل الجواب.
والاقلال: قلة المال.
(6) المدرج والمدرجة: المذهب والمسلك يعنى أن للقلوب شواهد تعرج الانفس عن مسالك أهل التقصير إلى درجات المقربين.
ولعل الصواب [ تعرج الانفس ].
(7) الفطنة: الحذق والفهم وهى مبتدأ وخبره قوله: " مما يدعو " يعنى أن الفطنة هى مما يدعو النفس إلى الحذر من المخاطرات.
(8) الخواطر: جمع خاطر: ما يخطر بالقلب والنفس من أمرأ وتدبير والعقول تزجر و تنهى عنها.
[97]

الرشاد. وكفاك أدبا لنفسك ما تكرهه من غيرك، عليك (1) لاخيك المؤمن مثل الذي لك عليه. لقد خاطر من استغنى برأيه (2). [ و ] التدبير قبل العمل يؤمنك من الندم. ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقف الخطاء (3). ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول (4). ومن حصر شهوته فقد صان قدره. ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته (5). وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال.
والايام توضح لك السرائر الكامنة. وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة (6). ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة. وأشرف الغنى ترك المنى. والصبر جنة من الفاقة. والحرص علامة الفقر. والبخل جلباب المسكنة. والمودة قرابة مستفادة. ووصول معدم خير من جاف مكثر (7). والموعظة كهف لمن وعاها. ومن أطلق طرفه كثر أسفه (8). ومن ضاق خلقه مله أهله.
___________________
(1) وفى الروضة [ وعليك ].
(2) يقال: خاطر بنفسه عرضها للخطر أى أشرف نفسه للهلاك.
(3) أى استشار الناس وأقبل نحو آرائهم ولاحظها واحدا واحدا وتفكر فيها فمن طلب الاراء من وجوهها الصحيحة انكشف له مواقع الخطاء واحترس منه.
(4) أى حكم العقول بعدالة رأيه وصوابه.
(5) أمنه - بالفتح - أى أمن قومه من شره ويحتمل بالمد من باب الافعال أى آمن من شر قومه أوعد قومه أمينا ونال الحاحه التى توهم حصولها في إطلاق اللسان.
(6) يقال: خطف البرق البصر: استلبه بسرعة وذهب به.
والمستمتع: المنتفع والمتلذذ، يعنى لا ينفعك ما يبصر وما يسمع كالبرق الخاطف بل ينبغى أن تواظب وتستضئ دائما بانوار الحكم لتخرجك من ظلمات الجهل ويحتمل أن يكون المراد لا ينفع ما يبصر وما يسمع من الايات والمواعظ مع الانغماس في ظلمات المعاصى والذنوب.
(7) قد مضى هذه العبارة وبيان ما فيها في وصيته عليه السلام لابنه الحسين سلام الله عليه ويحتمل أيضا أن يكون المراد أن الفقير المتودد خير من الغنى المتجافى.
قوله: وعاها أى حفظها وجمعها.
(8) الطرف - بسكون الراء: العين و - بالتحريك -: اللسان أى ومن اطلق عينه ونظره كثر أسفه.
وفى الروضة بعد هذا الكلام هكذا [ وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان ].
[98]

ومن نال استطال (1) قل ما تصدقك الامنية. التواضع يكسوك المهابة وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق (2). من كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه. تحر - القصد من القول فإنه من تحرى القصد خفت عليه المؤن (3). في خلاف النفس رشدها من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد. ألا وإن مع كل جرعة شرقا وفي كل اكلة غصصا. لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى. لكل ذي رمق قوت. ولكل حبة آكل. وأنت قوت الموت (4).
اعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الارض فإنه يصير إلى بطنها. والليل والنهار يتسارعان في هدم الاعمار.
أيها الناس كفر النعمة لؤم (5). وصحبة الجاهل شوم. من الكرم لين الكلام. إياك والخديعة فإنها من خلق اللئام. ليس كل طالب يصيب. ولا كل غائب يؤوب. لا ترغب فيمن زهد فيك. رب بعيد هو أقرب من قريب. سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار. استر عورة أخيك لما تعلمه فيك(6). اغتفر زلة صديقك ليوم

___________________
(1) النيل: إصابة الشئ.
يقال: نال من عدوه اى بلغ منه مقصوده يعنى من أصاب شيئا من أسباب الشرف كالمال والعلم يتفضل ويترفع غالبا ويمكن أن يكون هذا نظير قوله: " من جاد ساد " فالمراد أن الجود والكرم غالبا يوجبان الفخر والاستطالة.
والامنية: البغية وما يتمنى الانسان، يعنى في الغالب امنيتك كاذبة.
(2) وفى الروضة بعد هذا الكلام كذا [ كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره ].
(3) أى اقصد الوسط العدل من القول وجانب التعدى والافراط والتفريط ليخف عليك المؤونة.
(4) قد مضى هذه الكلمات في وصاياه عليه السلام أيضا.
(5) اللوم - بالفتح غير مهموز -: الملامة ومهموزا: ضد الكرم.
واللئام: جمع لئيم و - بالضم -: الدنى وقد لؤم الرجل - بالضم - لؤما.
(6) في الروضة بعد هذه الجملة هكذا [ ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك كما يعلمها فيك ].
وفى بعض النسخ [ لما يعلمها ].
[99]

يركبك عدوك. من غضب على من لا يقدر أن يضره طال حزنه وعذب نفسه. من خاف ربه كف ظلمه. ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة. إن من الفساد إضاعة الزاد. ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا. وما تناكرتم إلا لما فيكم من المعاصي والذنوب (1). ما أقرب الراحة من التعب. والبؤس من التغيير (2). ما شر بشر بعده الجنة. وما خير بخير بعده النار. وكل نعيم دون الجنة محقور. وكل بلاء دون النار عافية. عند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر (3). تصفية العمل أشد من العمل. تخليص النية عن الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد. هيهات لولا التقى كنت أدهى العرب (4). عليكم بتقوى الله في الغيب والشهادة (5)، وكلمة الحق في الرضى والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وبالعدل على العدو والصديق، وبالعمل في النشاط والكسل، والرضى عن الله في الشدة والرخاء. ومن كثر كلامه كثر خطاؤه، ومن كثر خطاؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار ومن تفكر اعتبر. ومن اعتبر اعتزل. ومن اعتزل سلم. ومن ترك الشهوات كان حرا. ومن ترك الحسد كانت له المحبة عند

___________________
(1) في الروضة [ هيهات هيهات وما تناكرتم الا لما فيكم من المعاصى والذنوب ].
أى ليس تناكركم إلا لذنوبكم وعيوبكم.
(2) وفى الروضة وبعض النسخ [ من النعيم ] والمراد بالتغيير سرعة تقلب أحوال الدنيا.
(3) أى إذا أراد الانسان تصحيح ضميره عن النيات الفاسدة والاخلاق الذميمة تظهر له العيوب الكبيرة الكامنة في النفس والاخلاق الذميمة التى خفيت عليه تحت أستار الغفلات.
(4) الدهاء: جودة الراى، والحذق وبمعنى المكر والاحتيال وهو المراد ههنا وفى الروضة [ لولا التقى لكنت أدهى العرب ] ومن كلام له عليه السلام " والله ما معاوية بأدهى منى ولكنه يغدر ويفجر.
ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة.
ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة.
والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة ".
(5) قد مضى هذا الكلام إلى آخر الخطبة في وصيته صلوات الله عليه لابنه الحسين عليه السلام ولذا لم يذكر في الروضة وفيها بعد هذا الكلام [ أيها الناس ان الله عزوجل وعد نبيه محمدا صلى الله عليه وآله الوسيله ووعده الحق ] إلى أخر ما خطبه عليه السلام.
[100]

الناس. عز المؤمن غناه عن الناس. القناعة مال لا ينفد. ومن أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا اليسير. ومن علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما ينفعه. العجب ممن يخاف العقاب فلا يكف. ويرجو الثواب ولا يتوب ويعمل الفكرة تورث نورا. والغفلة ظلمة. والجهالة ضلالة. [ و ] السعيد من وعظ بغيره. والادب خير ميراث. حسن الخلق خير قرين. ليس مع قطيعة الرحم نماء. ولا مع الفجور غنى. العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله وواحد في ترك مجالسة السفاء. رأس العلم الرفق، وآفته الخرق. ومن كنوز الايمان الصبر على المصائب. والعفاف زينة الفقر. والشكر زينة الغنى. كثرة الزيارة تورث الملالة. والطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم. إعجاب المرء بنفسه يدل على ضعف عقله. لا تؤيس مذنبا، فكم من عاكف على ذنبه ختم له بخير.
وكم من مقبل على عمله مفسد في آخر عمره، صائر إلى النار بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد. طوبى لمن أخلص لله عمله وعلمه وحبه وبغضه وأخذه وتركه وكلامه وصمته وفعله وقوله.
لا يكون المسلم مسلما حتى يكون ورعا، ولن يكون ورعا حتى يكون زاهدا، ولن يكون زاهدا حتى يكون حازما، ولن يكون حازما حتى يكون عاقلا، وما العاقل إلا من عقل عن الله وعمل للدار الآخرة. وصلى الله على محمد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين.

X
X

Compartir
Compartir
X

MobinPlayer