باب ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام (1)
وروي عن أمير المؤمنين الوصي المرتضى، علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وآله في طوال هذه المعاني، على أننا لو استغرقنا جميع ما وصل إلينا من خطبه و كلامه في التوحيد خاصة دون ما سواه من المعاني لكان مثل جميع هذا الكتاب و لكننا ابتدأنا الرواية عنه بخطبة واحدة في التوحيد وقع الاقتصار عليها، ثم ذكرنا بعدها ما اقتضاه الكتاب مقتصرين مما ورد عنه في هذه المعاني على ما غرب منها وأجمع على تفضيله الخاص والعام وفيه مقنع إن شاء الله تعالى.
خطبته عليه السلام في اخلاص التوحيد

إن أول عبادة الله معرفته.
وأصل معرفته توحيده.
ونظام توحيده نفي الصفات عنه (2)، لشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران.
وشهادة الاقتران بالحدث.
وشهادة الحدث بالامتناع من الازل الممتنع من حدثه (3) فليس الله عرف من عرف ذاته (4) ولاله وحد من نهاه (5) ولا به صدق من مثله.
ولا حقيقته أصاب من شبهه
___________________
(1) العنوان زائد منا ولم يكن في النسخ.
(2) " او عبادة الله " أى أشرفها وأقدما زمانا ورتبة " معرفته " لانها شرط لقبول الطاعات، وأصل المعرفة التوحيد إذ مع إثبات الشريك أو القول بتركيب الذات أو زيادة الصفات يلزم القول بالامكان فلم يعرف المشرك الواجب ولم يثبته.
فمن لم يوحده لا ينل بدرجة المعرفة ونظام التوحيد وتمامه نفى الصفات الزائدة الموجودة عنه إذ أول التوحيد نفى الشريك ثم نفى التركيب ثم نفى الصفات الزائدة، فهذا كماله ونظامه.
(3) " لشهادة العقول - إلخ " استدل عليه السلام على نفى زيادة الصفات بأن العقول تشهد بأن كل صفة محتاجة إلى الموصوف لقيامها به والموصوف كذلك لتوقف كما له بالصفة فهو في كماله محتاج إليها وكل محتاج إلى الغير ممكن فلا يكون شئ منهما واجبا ولا المركب منهما، فثبت احتياجهما إلى علة ثالثة ليس بموصوف ولا صفة وإلا لعاد المحذور. وفى بعض النسخ [ الممتنع من الحدث ].
(4) أى المعرفة بالتشبيه.
(5) أى جعل له حدا ونهاية.
[62]
ولا إياه أراد من توهمه ولا له وحد من اكتنهه (1). ولا به آمن من جعل له نهاية. ولا صمده من أشار إليه (2). ولا إياه عنى من حده. ولا له تذلل من بعضه، (3) كل قائم بنفسه مصنوع (4) وكل موجود في سواه معلول. بصنع الله يستدل عليه. وبالعقول تعتقد معرفته. وبالفكرة تثبت حجته. وبآياته احتج على خلقه (5). خلق الله الخلق فعلق حجابا بينه وبينهم فبمباينته إياهم مفارقته إنيتهم (6).

___________________
(1) " ومن مثله " أى من جعل له شخصا ومثالا في ذهنه وجعل الصورة الذهنية مثالا له فهو لا يصدق بوجوده ولا يصيب بحقيقته لان كل ما توهمه المتوهم فهو مخلوقه ومصنوع وهمه.
وقوله: " من اكتنهه " أى بين كنه ذاته أو طلب الوصول إلى كنهه، إذ لو كان يعرف كنهه لكان شريكا مع الممكنات في التركيب والصفات الامكانية فهو ينافى التوحيد.
(2) أى لا قصد نحوه من أشار إليه باشارة حسية او الاعم منها ومن الوهمية والعقلية.
(3) اى حكم بأن له أجزاء وأبعاضا.
(4) كذا. والصواب كما في بعض نسخ الحديث: [ كل معروف ] أى كل ما يعلم وجوده ضرورة بالحواس من غير أن يستدل عليه بالآثار فهو مصنوع.
أو المعنى أن كل معلوم بحقيقته فانما يعلم من جهة أجزائه وكل ذى جزء كان مركبا فكل معلوم الحقيقة مركب وكل مركب محتاج إلى مركب يركبه وصانع يصنعه فاذن كل معلوم الحقيقة هو مصنوع.
وقوله: " كل موجود في سواه معلول " في النهج " كل قائم في سواه معلول " أى كل شئ يتقوم بغيره فهو معلول.
ولعل هذا الكلام وما قبله إشارة إلى أن الله تعالى لا جوهر و لا عرض ولا يوصف بشئ منهما.
(5) " بصنع الله يستدل عليه " يعنى بالآثار يستدل على وجوده وبالتعقل يكمل معرفته و بالتفكر والتدبر تثبت حجته.
وفى بعض نسخ الحديث [ بالفطرة تثبت حجته ].
(6) " خلق الله الخلق " الخلقة سببا لاحتجاب الخالق عن المخلوق لان الخلقة صفة كمال له وكماله تعالى ونقص مخلوقه حجاب بينه وبينهم.
وقوله: " مفارقته إنيتهم " يعنى بمفارقة ذاته تعالى وحقيقة ذاتهم وحقيقتهم وفى بعض نسخ الحديث " أينيتهم " وقال المجلسى (ره): مباينته تعالى اياهم ليس بحسب المكان حتى يكون في مكان وغيره في مكان آخر بل انما هى بأن فارق اينيتهم فليس له أين ومكان وهم محبوسون في مطمورة المكان.
أو المعنى أن مباينته لمخلوقه في الصفات صار سببا لان ليس له مكان.
انتهى.
[63]

وإيداؤه إياهم شاهد على ألا أداة فيه، لشهادة الادوات بفاقة المؤدين. وابتداؤه إياهم دليل على ألا ابتداء له. لعجز كل مبتدء عن إبداء غيره. أسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم. وذاته حقيقة. وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه، قد جهل الله من استوصفه. وتعداه من مثله. وأخطأه اكتنهه (1)، فمن قال: أين فقد بوأه.
ومن قال: فيم فقد ضمنه. ومن قال: إلى م فقد نهاه. ومن قال: لم فقد علله (2). ومن قال: كيف، فقد شبهه. ومن قال: إذ، فقد وقته. ومن قال: حتى فقد غياه (3). ومن غياه فقد جزأه. ومن جزأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه ومن بعضه فقد عدل عنه.
لا يتغير الله بتغيير المخلوق كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، صمد لا بتبعيض بدد، (4) باطن لا بمداخلة، ظاهر لا بمزايلة، متجل لا باشتمال رؤية، لطيف لا بتجسم، فاعل لا باضطراب حركة، مقدر لا بجول فكر [ ة ]، مدبر لا بحركة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، قريب لا بمداناة، بعيد لا بمسافة، موجود لا بعد عدم، لا تصحبه الاوقات ولا تتضمنه الاماكن ولا تأخذه

___________________
(1) " اسماؤه تعبير " أى ليست عين ذاته وصفاته بل هى معبرات شهد عنها.
وأفعاله تفهيم ليعرفوه ويستدلوا بها على وجوده وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته.
وقوله: " وذاته حقيقة " أى حقيقة مكونة عالية لا تصل اليها عقول الخلق بأن يكون التنوين للتعظيم والتبهيم أو خليقة بأن تتصف بالكمالات دون غيرها أو ثابتة واجبة لا يعتريها التغير والزوال، فان الحقيقة ترد بتلك المعانى كلها.
" وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه " لعدم اشتراكه معهم في شئ والحاصل عدم امكان معرفة كنهه.
وقوله: " تعداه " أى تجاوزه.
وقوله: " من اكتنهه " أى توهم أنه أصاب كنهه.
(2) في بعض النسخ [ اعله ] وهو تصحيف ولعله من النساخ.
(3) أى جعل لبقائه غاية ونهاية.
(4) " أحد لا بتأويل عدد " بأن يكون معه ثان من جنسه أو بأن يكون واحدا مشتملا على اعداد وقوله: " صمد لا بتبعيض بدد " الصمد هو السيد المقصود اليه في الحوائج لانه القادر على أدائه.
والبدد جاء بمعنى الحاجة فعلى هذا يكون المعنى هو السيد المصمود المقصود إليه في الحوائج من دون تبعيض الحاجة.
[64]

السناة (1) ولا تحده الصفات ولا تقيده الادوات، سبق الاوقات كونه والعدم وجوده والابتداء أزله (2). بتشعيره المشاعر علم أن لا مشعر له. وبتجهيره الجواهر علم أن لا جوهر له. و بإنشائه البرايا علم أن لا منشئ له. وبمضادته بين الامور عرف أن لا ضد له. وبمقارنته بين الاشياء علم أن لا قرين له (3)، ضاد النور بالظلمة والصرد بالحرور (4)، مؤلفا
___________________
(1) قوله: " متجل لا باشتمال رؤية " التجلى: الانكشاف والظهور ويقال: استهل الهلال على المجهول والمعلوم أى ظهر وتبين أى ظاهر لا بظهور من جهة الرؤية. وقوله: " لا بمزايلة " أى لا بمفارقة مكان بان انتقل عن مكان إلى مكان حتى خفى عنهم أو بان دخل في بواطنهم حتى عرفها بل لخفاء كنهه عن عقولهم وعلمه ببواطنهم وأسرارهم. وقوله: " لا بتجسم " أى لطيف لا بكونه جسما له قوام رقيق أو حجم صغير أو تركيب غريب وصنع عجيب. وقوله: " فاعل لا باضطراب حركة " أما فاعل فلانه موجد العالم وأما تنزيهه في فاعليته عن الاضطراب فلتنزهه عن عوارض الاجسام. وفى النهج: " فاعل لا باضطراب آلة " أى لا بتحريك الآلات والادوات. وقوله: " مقدر لا بجول فكرة " أى ليس في تقديره الاشياء محتاجا إلى جولان الفكر. " قريب لا بمداناة " أى ليس قربه قربا مكانيا بالدنو من الاشياء بل بالعلم والعلية والرحمة. وقوله: " بعيد لا بمسافة " أى لا بمباينة لبعده بحسب المسافة عنهم بل لغاية كماله ونقصهم باينهم في الذات والصفات. وقوله: " لا تصحبه الاوقات " لحدوثها وقدمه تعالى أو ليس بزمانى أصلا. وقوله: " ولا تأخذه السناة " السناة جمع السنة بالكسر وهى النعاس وأول النوم.
(2) " سبق الاوقات كونه " أى كان وجوده سابقا على الازمنة والاوقات بحسب الزمان الوهمى والتقديرى وقوله: " والعدم وجوده " بنصب العدم ورفع الوجود أى وجوده لوجوبه سبق وغلب العدم فلا يعتريه عدم أصلا.
(3) " بتشعيره المشاعر " أى بخلقه المشاعر الادراكية وافاضتها على الخلق عرف أن لا مشعر له وهو اما لانه تعالى لا يتصف بخلقه او لانا بعد افاضته المشاعر علمنا احتياجنا في الادراك اليها فحكمنا بتنزهه تعالى عنها لاستحالة احتياجه تعالى إلى شئ أو لما يحكم العقل به من المباينة بين الخالق والمخلوق في الصفات. وقوله: " بتجهيره الجواهر الخ " أى بتحقيق حقائقها وايجاد ماهياتها عرف أنها ممكنة وكل ممكن محتاج إلى مبدء فمبدء المبادى لا يكون حقيقة من هذه الحقائق.
وقوله: " بمضادته بين الامور إلخ " أى عقده التضاد بين الاشياء دليل على استواء نسبتها اليه فلا ضد له اذ لو كانت له طبيعة تضاد شيئا لاختص ايجاده بما يلائمها لا ما يضادها فلم تكن أضداد، والمقارنة بين الاشياء في نظام الخلقة دليل على أن صانعها واحد لا قرين له، اذ لو كان له شريك لخالفه في النظام الايجادى فلم تكن مقارنة، والمقارنة هنا بمعنى المشابهة.
(4) الصرد: البرد. فارسى معرب.
[65]

بين متعادياتها (1) متقاربا بين متبايناتها، دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلفها، جعلها سبحانه دلائل على ربوبيته وشواهد على غيبته ونواطق عن حكمته إذ ينطق تكونهن عن حدثهن، ويخبرن بوجودهن عن عدمهم، وينبئن بتنقيلهن عن زوالهن ويعلن بافولهن أن لا افول لخالقهن، وذلك قوله جل ثناؤه: " ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (2) " ففرق بين هاتين قبل وبعد ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها (3) دالة بتفاوتها أن لا تفاوت في مفاوتها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها، ثبت له معنى الربوبية إذ لا مربوب وحقيقة الالهية ولا مألوه (4) وتأويل السمع ولا مسموع ومعنى العلم ولا معلوم ووجوب القدرة ولا مقدور عليه، ليس مذ خلق الخلق استحق اسم الخالق ولا بإحداثه البرايا استحق اسم البارئ (5) فرقها لا من شئ وألفها لا بشئ وقدرها لا باهتمام، لا تقع الاوهام على كنهه ولا تحيط الافهام بذاته، لا تفوته متى (6)

___________________
(1) المتعاديات كالعناصر المختلفة.
(2) سورة الذاريات - 49 والاستشهاد بالاية يحتمل أن يكون اشارة إلى أن التأليف والتفريق والتضاد بين الاشياء واتصافها بصفة التركيب والزوجية والتضايف كلها دلائل على ربوبيته تعالى وعلى أن خالقها واحد لا يوصف بصفاتها لدلالة خلق الزوجين على المفرق والمؤلف لانه خلق الزوجين من واحد بالنوع فيحتاج إلى مفرق يجعلهما مفرقين أو جعلهما مزاوجين مؤتلفين الفة لخصوصهما فيحتاج إلى مؤلف يجعلهما مؤتلفين.
(3) الغرائز الطبائع والمغرز: موجد الغرائز ومفيضها عليه والمفاوت - على صيغة اسم الفاعل - من جعل بينها التفاوت.
(4) في بعض نسخ الحديث [ اذلا مألوه ]. أى من له إله. أى كان مستحقا للعبودية أذ لا عابد وإنما قال: " تأويل السمع " لانه ليس فيه تعالى حقيقة بل مؤل بعلمه بالمسموعات.
(5) " ليس مذ خلق - إلخ " وذلك لان خالقية التى هى كماله هى القدرة على كل ما علم أنه أصلح ونفس الخلق من آثار تلك الصفة الكمالية ولا يتوقف كماله عليه. والبرايا: جمع البرية وهى الخلق.
(6) كذا. ولكن في بعض نسخ الحديث [ لا يوقته متى ] ولعله هو الصحيح والمعنى: ليس له وقد أول حتى يقال له: متى وجد أو متى علم أو متى قدر وهكذا.
[66]

ولا تدنيه قد ولا تحجبه لعل ولا تقارنه مع ولا تشتمله هو، إنما تحد الادوات أنفسها وتشير الآلة إلى نظائرها وفي الاشياء توجد أفعالها وعن الفاقة تخبر الاداة وعن الضد يخبر التضاد وإلى شبهه يؤول الشبيه ومع الاحداث أوقاتها وبالاسماء تفترق صفاتها ومنها فصلت قرائنها وإليها آلت أحداثها (1)، منعتها مذ القدمة وحمتها قد الازلية ونفت عنها لولا الجبرية، افترقت فدلت على مفرقها وتباينت فأعربت عن مباينها، بها تجلى صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية وإليها تحاكم الاوهام وفيها أثبتت العبرة ومنها انيط الدليل، بالعقول يعتقد التصديق بالله وبالاقرار يكمل الايمان (2).
___________________
(1) " ولا تدنيه قد " يعنى لما لم يكن زمانيا لا تدنيه كلمة قد التى هى لتقريب الماضى إلى الحال أو ليس في علمه شدة وضعف حتى تقربه كلمة قد التى للتحقيق إلى العلم بحصول شئ ولا تحجبه كلمة لعل التى هى لترجى أمر في المستقبل، أى لا يخفى عليه الامور المستقبلة او ليس له شك في أمر حتى يمكن أن يقول لعل.
" ولا تقارنه مع " أى بأن يقال: كان شى معه ازلا.
أو مطلق المعية بناء‌ا على نفى الزمان أو الاعم من المعية الزمانية أيضا.
" ولا تشتمله هو " لعله تصحيف من النساخ والصحيح " لا يشمله حين " أو " لا يشمل بحد " كما في النهج والمراد إما الحد الاصطلاحى وظاهر كونه تعالى لا حد له إذ لا اجزاء له فلا يشمل ولا تحاط حقيقته بحد وإما الحد اللغوى وهو النهاية التى تحيط بالجسم وذلك من لواحق الكم المتصل والمنفصل وهما من الاعراض ولا شئ من واجب الوجود بعرض أو محل له فامتنع أن يوصف بالنهاية.
" وإنما تحد الادوات أنفسها " المراد بالادوات هنا: آلات الادراك التى هى حادثة ناقصة وكيف يمكن لها أن تحد الازلى المتعالى عن النهاية.
وقوله: " عن الفاقة تخبر الاداة " أى يكشف الادوات والالات عن احتياج الممكنات وبالضد عن التضاد وبالتشبيه عن شبه الممكنات بعضها من بعض وبالحدثية يكشف عن توقيتها وتفترق الاسماء عن صفاتها.
(2) " مذ " و " قد " و " لولا " كلها فواعل لافعال قبلها، و " مذ " و " قد " للابتداء و التقريب ولا تكونان إلا في الزمان المتناهى وهذا مانع للقدم والازلية وكلمة " لولا " مركب من " لو " بمعنى الشرط و " لا " بمعنى النفى ويستفاد منها التعليق وهو ينافى الجبرية.
وقوله: " بها تجلى إلخ " أى بهذه الالات والادوات التى هى حواسنا ومشاعرنا وبخلقه إياها وتصويره لنا تجلى للعقول وعرف لانه لو لم يخلقها لم يعرف.
وقوله: " بها احتجب عن الرؤية " أى بها استنبطنا استحالة كونه مرئيا بالعيون لانا بالمشاعر والحواس كملت عقولنا وبعقولنا استخرجنا الدلالة على أنه لا تصح رؤيته فأذن بخلقه الالات والادوات لنا عرفناه عقلا. وفى بعض النسخ [ ومنها انبسط الدليل ].
[67]

لا دين إلا بمعرفة ولا معرفة إلا بتصديق ولا تصديق إلا بتجريد التوحيد ولا توحيد إلا بالاخلاص ولا إخلاص مع التشبيه ولا نفى مع إثبات الصفات ولا تجريد إلا باستقصاء النفي كله، إثبات بعض التشبيه يوجب الكل ولا يستوجب كل التوحيد ببعض النفي دون الكل والاقرار نفي الانكار ولا ينال الاخلاص بشئ من الانكار، كل موجود في الخلق لا يوجد في خالقه وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه، لا تجري عليه الحركة ولا يمكن فيه التجزية ولا الاتصال، وكيف يجري عليه ما هو أجراه أو يعود إليه ما هو ابتدأه أو يحدث فيه ما هو أحدثه إذا لتفاوتت ذاته ولتجزأ كنهه ولامتنع من الازل معناه ولما كان للازل معنى إلا معنى الحدث ولا للبارئ إلا معنى المبروء (1)، لو كان له وراء لكان له أمام ولو التمس التمام إذا لزمه النقصان وكيف يستحق اسم الازل من لا يمتنع من الحدث وكيف يستأهل الدوام من تنقله الاحوال والاعوام وكيف ينشئ الاشياء من لا يمتنع من الاشياء (2) إذا لقامت فيه آلة المصنوع ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ولاقترنت صفاته بصفات ما دونه، ليس في محال القول حجة ولا في المسألة عنها جواب (3).
- هذا مختصر منها - (4).
___________________
(1) قوله: " اذا لتفاوتت ذاته إلخ " اى لاختلف ذاته باختلاف الاعراض عليها ولتجزأت حقيقته.
وقوله: " لامتنع من الازل معناه " أى لو كان قابلا للحركة والسكون لكان جسما ممكنا لذاته فكان مستحقا للحدوث الذاتى بذاته فلم يكن مستحقا للازلية بذاته فيبطل من الازلية معناه وهذا القول وما بعده كالتعليل لما سبق.
(2) كذا ولكن في بعض نسخ الحديث [ من لا يمتنع من الانشاء ].
(3) " إذا لقامت إلخ " يعنى لو كان فيه تلك الحوادث والتغيرات لقامت فيه علامة المصنوع وكان دليلا على وجود صانع آخر غيره ومشترك مع غيره في الصفات فليس في هذا القول المحال حجة ولا في السؤال عنه جواب لظهور خطائه لانه إذا يكون ممكنا كسائر الممكنات وليس بواجب الوجود.
(4) هذه الخطبة منقولة في النهج مع اختلاف وزيادات ورواها الصدوق طاب ثراه بتمامها في التوحيد والعيون عن على بن موسى الرضا عليهما السلام بأدنى تفاوت.
[68]
X
X

Compartir
Compartir
X

MobinPlayer