مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الحمد له من غير حاجة منه إلى حمد حامديه طريقا من طرق الاعتراف بلا هوتيته وصمدانيته وربانيته وسببا إلى المزيد من رحمته ومحجة للطالب من فضله (1) ومكن في إبطان اللفظ حقيقة الاعتراف لبر إنعامه (2) فكان من إنعامه الحمد له على إنعامه، فناب الاعتراف له بأنه المنعم عن كل حمد باللفظ وإن عظم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة بزغت عن إخلاص الطوي (3) ونطق اللسان بها عبارة عن صدق خفي، إنه الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى، ليس كمثله شئ، إذ كان الشئ من مشيئته وكان لا يشبهه مكونه. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، استخلصه في القدم على سائر الامم، على علم منه بانفراده عن التشاكل والتماثل من ابناء الجنس، وانتجبه آمرا وناهيا عنه (4)، أقامه في سائر عالمه في الاداء مقامه، إذ لا تدركه الابصار ولا تحويه خواطر الافكار، ولا تمثله غوامض الظنن (5) في الاسرار، لا إله إلا هو الملك الجبار،
___________________
(1) المحجة: جادة الطريق. (2) في بعض النسخ [ الاعتراف له بانعامه ]. (3) البزوغ: الطلوع، بزغت الشمس: طلعت. والطوى: الاضمار والاستتار. (4) انتجبه: اختاره واصطفاه. (5) كذا. (*)
[2]
وقرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلاهوتيته واختصه من تكرمته (1) بما لم يلحقه فيه أحد من بريته وهو أهل ذلك بخاصته وخلته (2) إذ لا يختص من يشوبه التغيير ولا من يلحقه التنظير، وأمر بالصلاة عليه مزيدا في تكرمته وتطريقا لعترته (3)، فصلى الله عليه وعلى آله وكرم وشرف وعظم مزيدا لا يلحقه التنفيد ولا ينقطع على التأبيد، وإن الله تبارك وتعالى اختص لنفسه بعد نبيه خاصة علاهم بتعليته وسما بهم إلى رتبته وجعلهم (4) إليه والادلاء بالارشاد عليه، أئمة معصومين فاضلين كاملين وجعلهم الحجج على الورى ودعاة إليه، شفعاء بإذنه، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، يحكمون بأحكامه ويستنون بسنته ويقيمون حدوده ويؤدون فروضه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، صلوات الله والملائكة الابرار على محمد وآله الاخيار. وبعد فإني لما تأملت ما وصل إلي من علوم نبينا ووصيه والائمة من ولدهما صلوات الله عليهم ورحمته وبركاته، وأدمت النظر فيه والتدبر له علمت أنه قليل مما خرج عنهم، يسير في جنب ما لم يخرج، فوجدته مشتملا على أمر الدين والدنيا وجامعا لصلاح العاجل والآجل، لا يوجد الحق إلا معهم ولا يؤخذ الصواب إلا عنهم ولا يلتمس الصدق إلا منهم. ورأيت من تقدم من علماء الشيعة قد ألفوا عنهم في الحلال والحرام والفرائض والسنن ما قد كتب الله لهم ثوابه و أغنوا من بعدهم عن مؤونة التأليف وحملوا عنهم ثقل التصنيف ووقفت مما انتهى إلي
___________________
(1) من كرم اى عظم والتكريم: التعظيم. (2) - بفتح الخاء - أى بخصوصيته وخصلته أو بضم الخاء بمعنى الصداقة والاول أظهر. وفى بعض النسخ [ لا يخص ]. (3) طرق له اى جعل له طريقا. (4) فيه سقط والادلاء جمع دليل أو الدال وهو المرشد إلى المطلوب وفى الزيارة الجامعة الكبيرة في وصف الائمة عليهم السلام: " السلام على الدعاة إلى الله والادلاء على مرضات الله " اذهم يدلون الناس على المعارف الالهية والاحكام الشرعية. ولعل الساقط " ندباء ". (*)
[3]
من علوم السادة عليهم السلام على حكم بالغة ومواعظ شافية وترغيب فيما يبقى، وتزهيد فيما يفنى، ووعد ووعيد، وحض على مكارم الاخلاق والافعال ونهي عن مساويهما، وندب إلى الورع وحث على الزهد. ووجدت بعضهم عليهم السلام قد ذكروا جملا من ذلك فيما طال من وصاياهم وخطبهم ورسائلهم وعهودهم، وروي عنهم في مثل هذه المعاني ألفاظ قصرت وانفردت معانيها وكثرت فائدتها ولم ينته إلي لبعض علماء الشيعة في هذه المعاني تأليف أقف عنده ولا كتاب أعتمد عليه وأستغني به يأتي على ما في نفسي منه. فجمعت ما كانت هذه سبيله وأضفت إليه ما جانسه وضاهاه وشاكله وساواه من خبر غريب أو معنى حسن متوخيا (1) بذلك وجه الله - جل ثناؤه - وطالبا ثوابه وحاملا لنفسي عليه ومؤدبا لها به (2) وحملها منه على ما فيه نجاتها شوق الثواب وخوف العقاب، ومنبها لي وقت الغفلة ومذكرا حين النسيان ولعله أن ينظر فيه مؤمن مخلص فما علمه منه كان له درسا وما لم يعلمه استفاده فيشركني في ثواب من علمه وعمل به، لما فيه من أصول الدين وفروعه وجوامع الحق وفصوله وجملة السنة وآدابها وتوقيف الائمة وحكمها والفوائد البارعة والاخبار الرائقة (3) وأتيت على ترتيب مقامات الحجج عليهم السلام وأتبعتها بأربع وصايا شاكلت الكتاب ووافقت معناه. وأسقطت الاسانيد تخفيفا وإيجازا وإن كان أكثره لي سماعا ولان أكثره آداب وحكم تشهد لانفسها ولم أجمع ذلك للمنكر المخالف بل ألفته للمسلم للائمة، العارف بحقهم، الراضي بقولهم، الراد إليهم. وهذه المعاني أكثر من أن يحيط بها حصر وأوسع من أن يقع عليها حظر وفيما ذكرناه مقنع لمن كان له قلب، وكاف لمن كان له لب.
___________________
(1) في بعض النسخ [ متوجها ]. (2) أى كنت مؤدبا لنفسى بسبب تلكم المواعظ. (3) البارعة مونث البارع من برع أى فاق علما أو جمالا أو فضيلة أو غير ذلك من الاوصاف. والرائق من الروق: الفضل من الشئ. (*)
[4]
فتأملوا معاشر شيعة المؤمنين ما قالته أئمتكم عليهم السلام وندبوا إليه وحضوا عليه. وانظروا إليه بعيون قلوبكم، واسمعوه بآذانها، وعوه بما وهبه الله لكم واحتج به عليكم من العقول السليمة والافهام الصحيحة ولا تكونوا كأنداكم (1) الذين يسمعون الحجج اللازمة والحكم البالغة صفحا وينظرون فيها تصفحا (2) ويستجيدونها قولا ويعجبون بها لفظا، فهم بالموعظة لا ينتفعون ولا فيما رغبوا يرغبون ولا عما حذروا ينزجرون، فالحجة لهم لازمة والحسرة عليهم دائمة. بل خذوا ما ورد إليكم عمن فرض الله طاعته عليكم وتلقوا ما نقله الثقات عن السادات بالسمع والطاعة والانتهاء إليه والعمل به، وكونوا من التقصير مشفقين وبالعجز مقرين. واجتهدوا في طلب ما لم تعلموا، واعملوا بما تعلمون ليوافق قولكم فعلكم، فبعلومهم النجاة وبها الحياة، فقد أقام الله بهم الحجة وأقام (3) بمكانهم المحجة وقطع بموضعهم العذر، فلم يدعوا لله طريقا إلى طاعته ولا سببا إلى مرضاته ولا سبيلا إلى جنته إلا وقد أمروا به وندبوا إليه ودلوا عليه وذكروه وعرفوه ظاهرا وباطنا وتعريضا وتصريحا، ولا تركوا ما يقود إلى معصية الله ويدني من سخطه ويقرب من عذابه إلا وقد حذروا منه ونهوا عنه وأشاروا إليه وخوفوا منه لئلا يكون للناس على الله حجة، فالسعيد من وفقه الله لاتبعاعهم والاخذ عنهم والقبول منهم والشقي من خالفهم واتخذ من دونهم وليجة (4) وترك أمرهم رغبة عنه إذ كانوا العروة الوثقى وحبل الله الذي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله بالاعتصام والتمسك به، وسفينة النجاة وولاة الامر، الذين فرض الله طاعتهم فقال: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم (5) " والصادقين الذين
___________________
(1) النديد من الند وهو الضد والنظير - والمراد به ههنا الاول. (2) في بعض النسخ [ صفحا ]. (3) كذا والظاهر: أنار. (4) الوليجة: البطانة. (5) النساء - 58. (*)
[5]
أمرنا بالكون معهم، فقال: " اتقوا الله وكونوا مع الصادقين (1) ". واجتهدوا في العمل بما أمروا به صغيرا كان أو كبيرا واحذروا ما حذروا قليلا كان أو كثيرا، فإنه من عمل بصغار الطاعات ارتقى إلى كبارها، ومن لم يجتنب قليل الذنوب ارتكب كثيرها. وقد روي: " اتقوا المحقرات من الذنوب وهي قول العبد: ليت لا يكون لي غير هذا الذنب (2) ". وروي: " لا تنظر إلى الذنب وصغره ولكن انظر من تعصي به، فإنه الله العلي العظيم ". فإن الله إذا علم من عبده صحة نيته وخلوص طويته في طاعته ومحبته لمرضاته وكراهته لسخطه وفقه وأعانه وفتح له مسامع قلبه وكان كل يوم في مزيد فإن الاعمال بالنيات. وفقنا الله وإياكم لصالح الاعمال وسددنا في المقال، وأعاننا على أمر الدنيا والدين وجعلنا الله وإياكم من الذين إذا اعطوا شكروا وإذا ابتلوا صبروا وإذا أساؤوا استغفروا، وجعل ما وهبه لنا من الايمان والتوحيد له والائتمام بالائمة مستقرا غير مستودع (3) إنه جواد كريم.
___________________
(1) التوبة - 120 وفى الكافى ج 1 ص 208 عن البزنطى عن أبى الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن قول الله عزوجل: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين " قال: هم الائمة والصديقون بطاعتهم. وقال صاحب الوافى: لعل المراد أن الصادقين صنفان صنف منهم الائمة المعصومون عليهم السلام والاخر المصدقون بأن طاعتهم مفترضة من الله تعالى. (2) في الكافى باب استصغار الذنب ج 2 ص 287 عن زيد الشحام قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: اتقوا المحقرات من الذنوب فانها لا تغفر. قلت: وما المحقرات؟ قال: الرجل يذنب الذنب فيقول: طوبى لى لم يكن لى غير ذلك. ويأتى أيضا في باب مواعض أبى محمد العسكرى عليه السلام من هذا الكتاب قوله عليه السلام: " من الذنوب التى لا تغفر: ليتنى لا أؤاخذ الا بهذا ". (3) أى ايمانا مستقرا غير مستودع. (*)
[6]
X
X

Compartir
Compartir
X

MobinPlayer